العبادة الثالثة عشر قال: (الْذَّبْحِ) . والذبح في لسان العرب الشقّ، وأصل الذبح شقّ حلق الحيوانات، ويقال: الذبح للأنعام، للإبل؟ النحر. واختلف في البقر هل تقول: ذبحت البقرة أم نحرتها؟ فيها خلاف بين الفقهاء هل تنحر أم تذبح؟ والأصح أنها تذبح، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] . وشرع من قبلنا شرع لنا حينئذٍ البقرة تذبح لا تنحر.
الذبح في الشرع، ذكرنا في اللغة أنه بمعنى الشقّ، وأما ذبح العبادة هو إراقة الدماء على وجه التقرب والتعظيم.
(وَدَلِيلُ الْذَّبْحِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِيَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاََ شَرِيكَ لَهُ} ) الآية.
قل يعني يا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمتك تَبَعٌ لك، فكل ما خوطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمته تبعٌ له باتفاق، ( {إِنَّ صَلاَتِي} ) . هل المراد بها الصلاة المعينة المفروضة أم العبادة؟ قولان، والظاهر هو الظاهر، ما هو الظاهر هو الظاهر؟ الظاهر من القولين هو ظاهر الآية أنها الصلاة، فحينئذٍ تعمّ صلاتي مفرد مضاف، سواء كانت الصلاة المفروضة أو المستحبة.
( {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي} ) . هذا فيه تفسيران للسلف، هل النسك بمعنى العبادة لأنه يعمّ، يطلق النسك مرادفًا للعبادة، ولذلك يقال: في وصف بعضهم: صاحب نسك، ومتنسك، ويقال: المناسك، مناسك الحج والعمرة، لها وجه من هذا القبيل. وقيل: نسكي بمعنى ذبيحتي، والثاني أظهر.
( {وَمَحْيَايَ} ) أي أمر حياتي كلها، عملي الذي أقوم به في حياتي ( {وَمَمَاتِيَ} ) أمر موتي وما ألقاه بعده. ( {لِلَّهِ} ) واللام هنا للاستحقاق وللملك، حياتي ومماتي لله ملكًا.
( {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي} ) ( {لِلَّهِ} ) استحقاقًا، هكذا قال بعضهم، وعليه تكون اللام قد استعملت في معنيين: الملك والاستحقاق، وهذا وارد، ولذلك ذكرنا في قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} يحتمل أن اللام هنا للاستحقاق أو الاختصاص أو الملك وتحمل على الجميع ولا تنافي بينها. حينئذٍ صلاتي ونسكي لله نقول: هذه لام استحقاق، والمحيا والممات لله ملكًا واللام حينئذٍ تكون لام الملك.
( {لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ) لِمَ كانت لله؟ لأنه رب العالمين. حينئذٍ صار قول الله: ( {رَبِّ الْعَالَمِينَ} ) كالتعليل لما سبق، في قوة التعليل مثل ما قلنا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
( {لاََ شَرِيكَ لَهُ} ) . في ماذا؟ في ما سبق، لا في صلاتي ولا في نسكي ولا في حياتي ولا في مماتي، وهذا فيه تحقيق للتوحيد بنوعيه توحيد الربوبية وتوحيد الإلوهية. ومن السنة ما أخرجه مسلم من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لعن الله من ذبح لغير الله» . اللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله، وهذا يقتضي ماذا؟ يقتضي تحريم الفعل الملعون صاحبه؛ لأنه لعن من ذبح لغير الله، فالذبح حينئذٍ يصير محرمًا، لماذا؟ لأن الرب لعن من صرف هذا الذبح لغيره، فدل الحديث على أن الذبح عبادة لأن الله تعالى لعن من صرفه لغيره.