النذر المطلق أن يوجب على نفسه دون مقابل دون شرط، يقول: لله عليَّ صوم شهر، ابتداءً هذا يسمى نذرًا، هل هو في مقابلة شيء؟ نقول: لا. لو قال: إن شفى الله مريضي صمت شهرًا. مقيد أو لا؟ مقيد، هذا بخيل، لأنه ما جعله إلا من باب المقايضة إن فعلتَ فعلتُ وإلا فلا، [الله المستعان] ، ولذلك أقل أحواله الكراهة وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرى التحريم.
إذًا النذر نوعان: نقول: نذر مطلق أن يوجب على نفسه دون مقابلة. هذا النوع محمود.
ونذر مقيد مشروط بحصول شيء. والوفاء بالنذر في كلا النوعين واجب، الوفاء بالنذر المطلق والوفاء بالنذر المقيد واجب.
قوله تعالى: ( {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} [الإنسان: 7] ) .
( {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} ) بمعنى الإتيان به، يعني أتوا بما عقدوا عليه النذر سواء كان مطلقًا أو مقيدًا، للعموم يوفون بالنذر (أل) هنا دخلت على مفرد فعمت، حينئذٍ تعم المقيد وتعم المبتدَأ به. ( {وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} ) يعني منتشرًا عامًّا بين الناس إلا من رحم الله.
النذر بنوعيه هو الذي أثنى الله على أهله في الحالين لقوله: ( {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} ) . لأنه أوجب على نفسه فلما كان واجبًا صار الوفاء به واجبًا فامتثل للوجوب الذي أوجبه على نفسه، لأنه يخشى عقاب الرب جل وعلا، حينئذٍ نقول كما قال الشيخ: (وَدَلِيلُ الْنَّذْرِ) من كون النذر من العبادة قوله تعالى: ( {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} ) لأنه أثنى عليهم بالوفاء.
وجه الدلالة من الآية أن الله أثنى عليهم ومدحهم لإيفائهم النذر، وهذا يدل على أن الله يحب ذلك، وكل محبوب لله من الأعمال فهو عبادة، ويؤيد ذلك قوله: ( {وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} ) .
واعلم أن النذر الذي امتدح الله تعالى هؤلاء القائمين به هو جميع العبادات التي فرضها الله عز وجل ويدخل فيها النذر ابتداءً، فإن العبادات الواجبة إذا شرع فيها الإنسان فقد التزم بها، ودليل على ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29] . يعني أعمال حجهم، لماذا سميت نذرًا؟ لأنهم ألزموا أنفسهم بإتمامها لما شرعوا فيها، هو ابتداء أنت الآن طلق فإذا أحرمت بالحج لزمك الإتمام {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] . إذًا سُمِّيَت نذورًا لأن من أحرم بالحج فقد ألزم نفسه إتمامه.
والنذر الذي هو إلزام الإنسان نفسه بشيء ما أو طاعة لله غير واجبة مكروه، وهذا مقيد يحمل على المقيد. وقال بعض العلماء كشيخ الإسلام رحمه الله: إنه محرم لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن النذر، وقال: «إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل» .
إذا قيل أنه مكروه، كيف يقال بأنه عبادة؟ هنا يرد إشكال، إذا قيل: كل النذر مكروه، إذًا مكروه لا يحبه الله ويرضاه، فكيف يقال أنه عبادة وصرفه لغير الله يعتبر شركًا؟ واضح هذا؟
لا بد من التفصيل في النذر، نذر محمود، ونذر مذموم، المحمود هو ماذا؟ الذي يقع ابتداءً ويُسمّى كل العبادات، حينئذٍ تطلق عليها أنها نذور ولا إشكال في هذا، لكن المكروه: كيف يقال مكروه وصرفه لغير الله عبادة؟