فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 321

لا بد من اجتماعها معًا، ولا يمكن أن يوجد واحد منها دون الآخر، فانتفاء واحدٍ منها انتفاء للإسلام، حينئذٍ صار الإسلام حقيقة شرعية، حقيقة شرعية بمعنى أن له معنى، وهذا المعنى لا يُؤخذ من جهة اللغة ولا يؤخذ من جهة الأعراف والتقاليد، وإنما يؤخذ من جهة الشرع، فالذي يحدد معنى اللفظ هو الشرع، بعض الألفاظ ولو كانت في الشرع يكون مردها إلى العرف، ولذلك قال أهل العلم: [العادة محكمة والعرف محكم] بمعنى أنه قد أحال الشرع في بعض المسائل إلى أعراف الناس سواء قيل بأنه عرف النبي - صلى الله عليه وسلم - أو متنقل، على خلاف.

فالإسلام هنا نقول: لفظ شرعي بمعنى الذي تلفظ بهذا اللفظ هو الشرع، وجعل له معنى خاص حقيقة شرعية، إذا أطلق اللفظ انصرف إلى هذا المعنى، ما هو هذا المعنى؟ مركب من ثلاثة أسس، لا يمكن أن يوجد مفهوم الإسلام إلا بوجود هذه الثلاث أسس معًا، وهي (الاِسْتِسْلاَمُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالاِنْقِيَادُ لَهُ بِالْطَّاعَةِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الْشِّرْكِ وَأَهْلِهِ) .

(الاِسْتِسْلاَمُ) . [افتعال هذا، استسلم افتعل] ، وحينئذٍ تكون السين زائدة، استسلم لكذا بمعنى أسلم له وذل وخضع وانقاد، فالاستسلام الانقياد والخضوع والإذعان، بهذا المعنى يُفسر الانقياد والخضوع والإذعان، بأن يستسلم العبد لربه استسلامًا شرعيًّا، يستسلم أي يأتي بـ أو يحقق الذل والخضوع لله جل وعلا، استسلامًا شرعيًّا بمعنى أن هذا الاستسلام مرده إلى الشرع، يعني يستسلم بماذا، وبأي شيء؟ قال: بالتوحيد بمعنى أنه يذل ويخضع وينقاد لله تعالى بإفراده بالربوبية، وإفراده بالإلوهية، وإفراده بالأسماء والصفات. إذًا مرده إلى الشرع فالذي يفسر مثل هذه الألفاظ هو الشرع.

إذًا بأن يستسلم العبد لربه استسلامًا شرعيًّا، أن يذل ويخضع لله تعالى بإفراده بالربوبية وجميع أنواع العبادة.

قال بعضهم: الاستسلام مشتق من التسليم للمنيّة، واستسلم فلان للقتل أسلم نفسه وانقاد، استسلم بمعنى أنه أسلم نفسه وانقاد، وذل وخضع، أو من المسالمة وهو ترك المنازعة بأن يقبل شرع الله تعالى دون أن يُنازع ودون أن يعارض.

(وَهُوَ: الاِسْتِسْلاَمُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ) . التوحيد (أل) هنا تفيد العموم فيدخل فيه الأنواع الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. وحمله بعضهم على توحيد الإلوهية لأنه هو الذي حصل فيه النزاع والخصام بين الرسل والأنبياء مع أقوامهم، وما عداه فهو مُسَلَّمٌ به في الجملة، توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.

(الاِسْتِسْلاَمُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ) أي تذل وتخضع لله بما يستحقه من الربوبية وما عطف عليه والانقياد له بالطاعة، انقياد انفعال مأخوذ من قاده، وذلك إذا لان. وقيل: الانقياد مأخوذ من الملاينة، انقاد له بمعنى لان، وذل وخضع، الاستسلام والانقياد متقاربان لأن كل منهما يستلزم الآخر، بل الانقياد له بالطاعة داخل في قوله: (الاِسْتِسْلاَمُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ) . لأن من مقتضيات التوحيد أن يمتثل أمر الله وأن يجتنب ما نهى عنه الرب جل وعلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت