فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 321

(لا إله إلا الله) لا معبود بحق إلا الله، وهذا يستلزم معرفة ما يُعبد به الرب جل وعلا فعلًا وتركًا، وحينئذٍ إذا عرف ما يُعبد به الرب فعلًا فامتثله، وتركًا فاجتنبه قد وُجِدَت الطاعة، وليست ثَمَّ الطاعة إلا امتثال المأمور واجتناب المحظور.

إذًا قوله: (وَالاِنْقِيَادُ لَهُ بِالْطَّاعَةِ) . في الأصل هو داخل في قوله: (الاِسْتِسْلاَمُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ) . (وَالاِنْقِيَادُ لَهُ) جل وعلا (بِالْطَّاعَةِ) الطاعة بمعنى العبادة، (بِالْطَّاعَةِ) له جل وعلا ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - لأن من أطاع الرسول فقد أطاع الله {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32] {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} [النساء: 80] إذًا طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - طاعة لله جل وعلا، ولذلك أطلق المصنف هنا الطاعة، والمراد (بِالْطَّاعَةِ) امتثال ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه سواء كان الأمر من جهة الرب النص القرآني أو من جهة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك يقال في النهي. (وَالاِنْقِيَادُ لَهُ بِالْطَّاعَةِ) وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه لأن الطاعة طاعة في الأمر بفعله، وطاعة في النهي بتركه.

(وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الْشِّرْكِ وَأَهْلِهِ) . هذا أيضًا نص عليه الإمام رحمه الله لأنه مما ينبغي التنبيه عليه وإلا فهو داخل في قوله (بِالْتَّوْحِيدِ) ، لأن التوحيد إثبات ونفي. وإذا كان التوحيد إثباتًا ونفيًا حينئذٍ لا يتم النفي إلا بالبراءة من الشرك وأهله، وهو ما يُعنون له بالكفر بالطاغوت {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256] . فحينئذٍ قوله: (وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الْشِّرْكِ وَأَهْلِهِ) . داخل في قوله بالتوحيد لأن التوحيد إثبات ونفي، ومن النفي البراءة من الشرك وأهله، (وَالْبَرَاءَةُ) هذا من عطف الخاص على العام.

(وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الْشِّرْكِ) أي أن يتبرأ منه ويتخلى عنه، وأن يتركه، أن يترك الشرك ويجتنب الشرك، ولذلك قال إبراهيم عليه السلام: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] . أي اجعلني في جانب مع بنيّ، والشرك في جانب آخر، بمعنى المباعدة وأن يكون ثَمَّ بغض في القلب للشرك وأهله، وهذا يستلزم ماذا؟ يستلزم معاداة أهل الشرك، وبغضهم من القلب، وعدم التشبه بهم وتركهم فيما هم عليه من المسكن يعني مجانبة مسكنهم ومجانبة أخلاقهم ونحو ذلك، لأن البراءة لا تتم إلا بالبعد بالبدن وبالقول وبالعمل وبالقلب. أما إذا بعُد عن أهل الشرك أو الشرك ببدنه وهو معهم بقلبه هل حصلت البراءة من الشرك؟

لم تحصل البراءة من الشرك، بل لا بد أن تكون البراءة بأصلها بالقلب وهو البغض، ثم يتبعه البدن بالقول واللسان والفعل بالجوارح والأركان.

إذًا البراءة المراد بها في أصلها البغض في القلب، ويتبع ذلك معاداتهم، وتكفيرهم من كفرهم الله ورسوله، ومقاتلتهم عند مشروعية ذلك، وهذا هو معنى الكفر بالطاغوت، ويذكره المصنف في آخر الرسالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت