فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 321

ثم (وَالإِحْسَانُ) وهو أضيق الثلاث، فحينئذٍ ليس كل من كان مسلمًا فهو مؤمن أو محسن، قد يثبت له الإسلام ولا يثبت له الإيمان، قال تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا} [الحجرات: 14] . أثبت لهم الإسلام ونفى عنهم الإيمان {وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} وقد يكون مؤمنًا فحينئذٍ يكون مسلمًا ولا يكون محسنًا، لأن الإحسان إيمان وزيادة، كما أن الإيمان إسلام وزيادة، إذًا هذه كلها متداخلة، متداخلة متى؟ إذا قرن بعضها مع بعض فجاءت في سياق واحد، ولكن التداخل هنا تداخل في أصل هذه المراتب الثلاثة، ولذلك الحقّ أن يقال فيه: أن هذه الألفاظ: الإسلام والإيمان والإحسان تنطبق عليها قاعدة: (إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت) ، فحينئذٍ إذا اجتمعت كلها فنُفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالأعمال الباطنة القلبية، والإحسان بالغاية والمنتهى في أعمال الظاهر وأعمال الباطن، إذًا افترقت أو لا؟ افترقت لكن الافتراق هنا افتراق ظاهري بمعنى أنه افتراق في شيء مع اجتماعهما في أصل لا بد منه، وهو أنه إذا قيل بأن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا هل معنى ذلك أن الإسلام مباين مباينة كلية منفصل عن الإيمان، وأن الإيمان مباين مباينة كليّة منفصل عن الإسلام؟ هذا قد يفهم من كلام بعضهم، لكنه ليس بمراده، بل الصواب أن يقال في العبارة وتكون محررة: الإسلام هو الأعمال الظاهرة مع إيمان مصحح لهذا الاسم لا بد مِن قدرٍ، فإذا قيل بأن الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو الأعمال الباطنة، والأعمال الظاهرة منها الشهادتان، هل يمكن أن تكون الشهادة باللفظ فقط دون أن يكون معها عمل قلبي؟

لا، إذًا وُجِدَ، لا يمكن أن يتحقق الإسلام إلا بقدر وجزء من الإيمان، وهو شروط لا إله إلا الله، كالعلم واليقين والمحبة والإخلاص والقبول، هذه كلها أعمال قلبية، ولا يمكن أن توجد الشهادتان إلا مع وجود هذه الأعمال القلبية.

إذًا لا يمكن أن ينفك الإسلام عن الإيمان، وإنما ينفك عنه فيما لا يكون مصححًا للإسلام. وكذلك الإيمان إذا قيل بأنه الأعمال الباطنة معناه لا يصلي الصلاة ولا يأتي بشيء من أركان الإسلام ويحكم عليه بالإيمان؟ نقول: لا، فالإيمان هو الأعمال القلبية مع قدر مصحح له من الأعمال الظاهرة، فإذا انتفى هذا القدر والجزء المصحح له انتفى الإيمان.

إذًا إذا قيل بأنها إذا اجتمعت افترقت أو إذا افترقت اجتمعت، لا بد أن تفهم على هذا المعنى بأن الإسلام يفترق عن الإيمان في الأعمال الظاهرة ولا بد من قيد وهو مع قدر مصحح له من الإيمان، والإيمان هو الأعمال الباطنة مع قدر مصحح له من الأعمال الظاهرة. وهلم جرا.

(وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ) هو سيعقد لكل واحدة من هذه المراتب الثلاث تفصيلًا بأدلته يذكره في مكانه. (وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ لَهَا أَرْكَانٌ) . (وَكُلُّ) هذه صيغة عموم يعنى الإسلام له أركان، والإيمان له أركان، والإحسان له أركان، ولعله من باب إطلاق العام وإرادة الخاص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت