فحينئذٍ تقع الباء للتأكيد زائدة بعد النفي، ومنه لا النافية للجنس، فحينئذٍ لا يلزم، لأن بعضهم أنكر أن يقال: بحق. قال: هذا يلزم منه أن نجعل الكلام فيه تقديرًا آخر، الخبر المحذوف ثم نقدر الخبر جارًا ومجرورًا ثم نعلقه بمحذوف، لماذا هذا التطويل؟ إذًا نسقط الباء، نقول: لا، لا يلزم، بل الباء هنا زائدة، وإذا كانت الباء زائدة ليست أصلية فحينئذٍ لا تحتاج إلى متعلق يتعلق به. فتقول: لا معبود، معبود اسم لا، بحقٍّ الباء حرف جر زائد، وحقٍّ خبر لا مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. إلا أداة استثناء، الله هذا بدل من الضمير المستتر في كلمة حق، حقّ هذا مصدر فيه ضميرًا مستكن، هذا الضمير المستكن من هو؟ الله، أبدل منه، كما تقول: جاء أبو عبد الله محمد، لو قلت: جاء أبو عبد الله، من هو أبو عبد الله؟ كم واحد؟ عشرات، لو قلت: جاء أبو عبد الله محمد أبدلت منه، فُهِم المراد. لا إله بحق، من هو؟ إلا الله.
فلا إله إلا الله، نقول: هذه الكلمة اشتملت على نفي وإثبات، وهما ركنا التوحيد، فلا يتم التوحيد بالإثبات المحض، ولا يتم التوحيد بالنفي المحض، بل لا بد منهما. لو قيل: لا إله، هل أتى بالتوحيد؟ لا، لو قال: الله إله، هل أتى بمفهوم التوحيد الشرعي؟ الجواب: لا. ولذلك قال أهل البيان في قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [البقرة: 163] لما كان هذا إثباتًا محضًا وليس فيه نفي صريح بيّن واضح، والتوحيد مقام إيضاح وبيان قال جل وعلا: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} . أتى بالجملة هنا تنصيصًا لتدل بمنطوقها والنفي مع الإثبات على أن المراد هو إثبات العبودية لله جل وعلا دون ما سواه.
(( لاَ إِلَهَ) أراد أن يفسر لنا قال: (( لاَ إِلَهَ) نَافِيًا)،جميع ما (يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ) . لا إله هذا نفي لكل ما يُعبد من دون الله، إلا الله هذا استثناء من مدخول لا وحكمها، إذا قيل: إلا كذا. هل يلزم منه أن يكون اللفظ المستثنى قد دخل في حكم المستثنى منه أوَّلًا ثم أخرج؟
جاء القوم إلا زيدًا، زيدًا هذا مستثنى، والقوم مستثنى منه، والحكم إثبات المجيء، إذا قلت: قام القوم إلا زيدًا، نقول: زيدًا هذا مستثنى، استثني مِمَ؟ من دخوله في المستثنى منه ومن الحكم أو منهما معًا؟ منهما معًا أو من أحدهما؟
الصواب أنه مستثنى منهما لم يدخل أصلًا، قام القوم إلا زيدًا، نقول: زيدًا لم يدخل في قوله: القوم، لأنك لو أدخلته لتناقضت، لأنك لو قلت: قام القوم وأردت زيدًا حكمت عليه بأنه قام، ثم قلت: إلا زيدًا نفيت عنه القيام، فكيف زيد قائم وليس بقائم؟ تناقض هذا. أليس كذلك؟ فحينئذٍ نقول: إلا زيدًا. لم يدخل في قوله: قوم. ما دخل في المستثنى منه أبدًا ولا في حكمه.
لا إله، قلنا: إله هذا يصدق على المعبود بحق وعلى المعبود بباطل، لا إله إلا الله، الله قلنا: هذا داخل في الإله، يطلق عليه أنه إله، هل هو داخل في المستثنى منه وفي حكمه بحيث إنك نفيت عنه الإلهية أوَّلًا ثم أثبتها مرة ثانية أم لم يدخل أصلًا؟