فحينئذٍ نقول: تفسير بعض أهل البدع بأن الإله بمعنى الخالق أو القادر على الاختراع. الردّ من جهة كونهم حصروا في مدلول هذه الكلمة مطابقة على هذا المعنى، وإلا لو قال قائل: لا إله إلا الله، لا قادر إلا الله، لا خالق إلا الله، لا حاكم إلا الله، هل هذا المعنى باطل؟ لا، ليس باطلًا، هذا حق، لكن لو قال: مدلول لا إله إلا الله مطابقةً هو لا خالق إلا الله ولا قادر على الاختراع إلا الله. هنا جاء التبديع وجاء التضليل. وليس في دعوى أن لا خالق إلا الله.
نقول: لا، هذا من مقتضيات لا إله إلا الله، لأن لا إله إلا الله دلت مطابقة بدلالة المطابقة على أنه لا معبود حق إلا الله، وهذا هو توحيد الإلوهية، إذًا دلالتها على توحيد الإلوهية بالمطابقة، ودلالتها على توحيد الربوبية بالتضمن، ودلالتها على توحيد الأسماء والصفات بالتضمن أيضًا وبالاستلزام، فحينئذٍ نقول: دلت على أنواع التوحيد الثلاثة. فافهم، إذًا قول أهل العلم أنه إذا قيل: لا إله إلا الله تبديع الأشاعرة ومن على شاكلتهم في تفسير الإله هنا بمعنى الرب. نقول: حصرهم في الرب، وأن هو ظاهره هنا خطأ، وليس من كون الرب - كما سبق - والإله أنهم يجتمعان ويفترقان. إذا قيل: إله. دخل فيه الرب، لكن كون هذا اللفظ الظاهر منه والمتبادر هو الرب، هنا جاء الخطأ وجاء الخلل، وإلا فلا إله إلا الله تدل على أنواع التوحيد الثلاثة. وكل نفي وإثباتٍ للعبودية بأنه لا عبادة إلا لله جل وعلا فهو نفي وإثبات لكل فعل من أفعال الله جل وعلا، فلا إله إلا الله لا معبود حق إلا الله، ولا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا محيي إلا الله، هذا نأخذه من لا إله إلا الله لكن هل هو دلالة مطابقة أو تضمن؟ إن قلت: دلالة مطابقة فقد وقعت في البدعة، وإن قلت: دلالة تضمن فقد أصبت.
ثم قال رحمه الله: (وَدَلِيلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) . وهو جزء من الركن الأول من أركان الإسلام. (وَدَلِيلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) وهذا المراد به الدليل النقلي، وأما الدليل العقلي فهذا كثير في كون النبي - صلى الله عليه وسلم - هو رسول الله، وأعظم هذه الأدلة هو القرآن الكريم، القرآن معجز بذاته، وإعجازه وتحديه للعرب الذين هم أعداء للرسالة، وأعداء للنبي - صلى الله عليه وسلم - تحداهم بأن يأتوا بحديث مثله، مع عداوة أهل الأرض له، ومع فصاحتهم وعلمهم بلسان العرب وهو لسانهم وهم أهله وشعراؤه وأهل نثره ومع ذلك عجزوا فدل على أن هذا القرآن جاء من لدن حكيم خبير.