و (شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا) ابن عبد الله (رَسُولُ اللهِ) وأنه رسول من عند الله جل وعلا (قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] ) ( {لَقَدْ جَاءَكُمْ} ) ، ( {لَقَدْ} ) اللام هذه موطئة للقسم واقعة في جواب قسم، والمقسِم هو الله عز وجل، والمقسَم عليه ( {جَاءَكُمْ} ) مجيء النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه حدث عظيم، فأقسم الله جل وعلا. والمقسِم هو الله، والمقسَم به هو الله، والمقسَم عليه هو مجيء النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا في مقام التأكيد أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - رسول من عند الله. ( {جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} ) جاءكم رسول يعني مرسل من عند الله جل وعلا بالهدى ودين الحق، بالرسالة الحقّ بالتوحيد، ( {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} ) أي من جنسكم، ( {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} ) جمع نفس والمراد به من جنسكم تعرفون نسبه وصدقه، فليس بِمَلَكٍ فلا تستطيعون مخاطبته أو الجلوس معه، بل هو بشر يتمكنون من سؤاله متى شاءوا، وهذا فيه منة، بأن جُعل الرسول الذي جعل الله جل وعلا الرسالة التي هي الهدى ودين الحق، وجعله هاديًا مهديًّا أن يكون من البشر، فلو كان من غير جنسهم لكان هناك صعوبة في الوصول إلى ذلك الرسول. ( {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} ) أي من جنسكم، بل هو من بينكم أيضًا كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2] .
( {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} ) إذًا هذا وصف ثاني: ( {جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} ) ، ( {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} ) إما كائن من أنفسكم، وإما أنه متعلق بقوله: رسول، لأن رسول فعول، وفعول يأتي بمعنى اسم الفاعل ويأتي بمعنى اسم المفعول، وهنا المراد به اسم المفعول، مرسَل، رسول، فعول بمعنى مُفعَل فهو مرسَل من عند الله جل وعلا، ( {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} ) هذا وصف أول.
( {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} ) يعني عزيز عليه عنتكم، والعنت هو المشقة، أي يشُقُّ عليه ما شقَّ عليكم من الآصال والأغلال، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم: ... «بُعثت بالحنيفية السمحة» . وقال: «إن هذا الدين يسر» . فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ليرفع الأغلال والآصال عن هذه الأمة.
الوصف الثالث: ( {حَرِيصٌ عَلَيْكُم} ) الحرص معلوم حريص على ماذا؟ على هدايتكم وإنقاذكم من النار، حريص على ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، حريص على دفع ما يضركم في الدنيا والآخرة.