فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 321

الثاني، لا بد أن ينطق بلسانه، ولا بد أن يعتقد بقلبه اعتقادًا جازمًا، ثم هذا الاعتقاد له أثر وله ثمرة إن وُجِدَ صار هذا الاعتقاد معتبرًا شرعًا. كما ذكرناه في أول الرسالة. (الْعِلْمُ، وَهُوَ مَعِرَفَةُ الْلَّهِ) ما المراد بالمعرفة؟ نقول: المعرفة ليست أيَّ معرفةٍ، وإنما المعرفة المقتضية المستلزمة لقبول شرع الله، فإن عرف ربه ولم يذعن، ولم يقبل شرع الله، فهل هذه المعرفة مثمرة لها فائدة أو لها وجود؟ نقول: لا، ليس لها وجود شرعي فهي منفية، هذا لم يعرف ربه المعرفة الشرعية. كذلك لو اعتقد أن محمدًا رسول الله بقلبه لكنه لم يطع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في يومٍ ما، ولم يصدقه بخبرٍ ما، حينئذٍ نقول: هذا من نواقض شهادة أن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فليست هي دعوى تقال باللسان. (وَمَعْنَى شََهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) ، يعني ما تقتضيه وتستلزمه هذه الشهادة بحيث تصير كالأمارة عليها. لأن الاعتقاد أمر قلبي فلا بد من شيء ظاهرٍ يدل عليه، والذي يدل على وجود هذه الشهادة هو ما ذكره من أربعة الأسس. الذي تقتضيه هذه الشهادة (طَاعَتُهُ) ، ومعنى شهادة أن محمدً رسول الله طاعته فيما أمر، (طَاعَتُهُ) يعني امتثال أمره واجتناب نهيه، لا بد من هذا. (فِيمَا أَمَرَ) ما اسم موصول بمعنى الذي فهو عام في جميع المأمورات، لا يأتي يطيعه في أمرٍ ما ثم يأتي في أمر آخر يقول: لا يوافق الزمان، ولا يوافق الحضارة فهذا لا يقبل، نقبله في شيء ونرده في شيء آخر. نقول: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85] هذا مثله. (فِيمَا أَمَرَ) أي في جميع، في كل ما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - سواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب، الذي يُلزم به من جهة عدم قبول عذره في تركه هو أمر الإيجاب، وأما أمر الاستحباب فليس بلازم لكنه لا بد من اعتقاد أنه حق، فلو رده بقلبه ولو لم يفعله نقول: هذا ناقض لشهادة أن محمدًا رسول الله.

إذًا (طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ) به سواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب، ووجوب طاعته - صلى الله عليه وسلم - هذه ثابتة بالنصوص المتكاثرة من الكتاب والسنة، وقد قرن سبحانه طاعته بطاعته في غير موضع في كتابه، ومن عصاه فقد عصى الله، ومن عصى الله فله النار. {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] ، {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النور: 54] ، {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت