(طَاعَتُهُ) ، (وَتَصْدِيقُهُ) لأن ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - كما هو قول في القرآن - إما أن يكون خبرًا وإما أن يكون طلبًا. الخبر بماذا يقابل؟ إما بالتصديق وإما بالتكذيب، لأن الخبر هو ما يحتمل الصدق والكذب لذاته. فحينئذٍ الْمُخْبِر يُخْبِرُكَ بخبر وهذا الخبر في ذاته يحتمل الصدق، ويحتمل الكذب، أما خبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يحتمل إلا الصدق. المقابل من جهة المكلَّف يقابله بماذا؟ إما بالتصديق وإما بالتكذيب، فحينئذٍ المأمور به أن نصدقه فيما أخبر عليه الصلاة والسلام، هذا المأمور به. وأما الطلب فإما أن يكون طلب فعل وإيجاد، وإما أن يكون طلب ترك وإعدام. الأول يسمى بـ .. (إما طلب فعل وإيجاد) هذا يسمى مأمورًا به، وهو يشمل الواجب والمستحب.
وإما طلب ترك وإعدام يعني عدم إيجاد الفعل، وهذا يشمل المحرم والمكروه. والأول عبر عنه بـ (طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ) والثاني عبر عنه بقوله: (وَاجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ) .
لأن الطلب له شقان: إما امتثال مأمور، وإما اجتناب محظور، لأن الطالب إما أن يطلب إيجاد فعلٍ أو ترك فعل، حينئذٍ الأول شمل نوعين من أحكام التكليف، والثاني شمل نوعين من أحكام التكليف.
إذًا هذه العبارات الثلاثة شملت الخبر والطلب، لأن ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يخرج عن هذين النوعين، لأن الكلام نوعان لا ثالث لهما على الصحيح عند أهل البيان، إما أن يكون خبرًا، وإما أن يكون إنشاءً، والمراد بالإنشاء في الحديث هو الطلب هنا.
فحينئذٍ الخبر يقابل بالتصديق أو التكذيب، وعُيِّن هنا لكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو المخبر تعين التصديق لأنه لا ينطق عن الهوى. والطلب إما أن يكون طلب إيجاد وأما طلب ترك وتعين طاعته فيما أمر.
(وَاجْتِنَابُ) يعني الترك والبعد {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] ، أي باعد بيني وبين هذه الأصنام وعبادتها. (وَاجْتِنَابُ مَا) ما اسم موصول بمعنى الذي فيعم كل ما نهى عنه إما نهي تحريم وإما نهي كراهة. (وَزَجَرَ) هو بمعنى النهي، ويحتمل أنه النهي بشدة فيكون من عطف الخاص على العام، فهو محتمل.