ثم صعَّد أساس رابع وهو (وَأَنْ لا يُعْبَدَ اللهُ إِلا بِمَا شَرَعَ) يعني بما شرع محمد - صلى الله عليه وسلم - لا بالبدع ولا بالأهواء، ولذلك جاء قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] هذا يصلح أن يكون دليلًا لطاعته واجتناب ما نهى عنه وزجر وألا يعبد الله إلا بما شرع، فـ {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ، وجاء في الحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» . وجاء قوله تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158] . حصر الهداية في إتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - بل جاء ما هو أصرح من ذلك قوله: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} [القصص: 50] . فكل من تبع النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو متبع للهدى والحق، وكل من خالف وتقرب إلى الله جل وعلا بما لم يشرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو متبع لهواه. {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ} ، ولذلك ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فلا عبادة إلا ما هو واجب أو مستحب في دين الله وما سوى ذلك فضلال عن سبيله) . ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» . أي مردود عليه.
زاد الشيخ هنا رحمه الله لفتة مهمة قال: (ومقتضى هذه الشهادة أيضًا ألا تعتقد أن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حقًّا في الربوبية وتصريف الكون، أو حقًّا في العبادة، بل هو - صلى الله عليه وسلم - عبدٌ لا يُعبد، ورسول لا يُكذب، ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا من النفع أو الضُّرِّ إلا ما شاء الله تعالى كما قال الله: {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام: 50] . فهو عبدٌ مأمور يَتبع ما أُمر به، وقال تعالى: {قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} [الجن: 21، 22] . إذًا لا بد من هذه أيضًا لأن الوقوع في مثل هذه يعتبر ناقضًا للشهادة الأولى، والشيخ لم يذكرها هنا في هذه الأربعة الأسس لماذا؟ لم يذكرها هنا مع أهميتها لأنها منفية بالشق الأول، معناها أن لا معبود بحق إلا الله جل وعلا، فلا إله نافيًا جميع ما يُعبد من دون الله ومنه الاستغاثة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أو دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - دعاءً شركيًّا ونحو ذلك.
إذًا لا بد مع النطق بهذه الشهادة شهادة أن محمدًا رسول الله لا بد من العمل بما دلت عليه، فقولها باللسان من دون العمل بما دلت عليه لا يصير به من أهل شهادة أن محمدًا رسول الله، لا بد من لفظ ومعنى وعمل كما هو الحال في شأن شهادة أن لا إله إلا الله. هذا ما يتعلق بالركن الأول من أركان الإسلام.