-وقد تكون معية الخاصة، تقتضي العلم أيضًا والإحاطة لكن مع التأييد والنصر والتوفيق والتسديد. فهنا قال تعالى: ( {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ} ) . إذًا متعلق المعية طائفة خاصة، وهم المتقون المحسنون، فحينئذ صارت المعية خاصة، هذه المعية تقتضي ماذا؟ تقتضي أن يكون الله جل وعلا مطلعًا عليهم، يسمع كلامهم، ويرى مكانهم، ومع ذلك يوفقهم ويسددهم وينصرهم على أعدائهم بتأييده جل وعلا.
( {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ} ) يعني الذين اتقوا المنهيات، اتقوا الله جل وعلا فعملوا وأتوا بفرائضه، ولم يرتكبوا محارمه، فحينئذ هذه المعية اقتضت أنهم قد ارتقوا إلى درجة الإحسان، ولذلك قال: ( {وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} ) . فجمع بين المتقين والمحسنين. قال:
( {وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} ) يعني في العمل، وأطلق الإحسان هنا فيشمل المرتبتين: مرتبة الاستحضار، ومرتبة الإطلاع. فحينئذ دل ذلك على أن الإحسان مما جاء به الشرع. إذًا نقول: وجه الاستدلال بالآية الأولى: أنه تعالى مع المحسنين، وهذه معية خاصة، تقتضي إطلاعه عليهم، وأنه عالم بهم لا يفوته شيء من أحوالهم فهو محيط بهم. وأيضًا تقتضي أنه ناصر لهم، ويؤيدهم، ويوفقهم. هذا وجه الاستدلال بالآية لأنه أطلق فقال: ( {وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} ) . يعني في طاعة ربهم، وأعمالهم الظاهرة والباطنة، وأتوا بالمرتبتين وهو عبادة الله جل وعلا مع الاستحضار، وعبادة الله جل وعلا مع الاطلاع.
والدليل الثاني (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الشعراء: 217 - 220] ) . {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ} توكل هذا أمر بالتوكل، وسبق معناه وأنواعه وأنه من أجل العبادات. ( {وَتَوَكَّلْ} ) يعني اعتمد على الله جل وعلا، وثق بربك مع الإتيان بالأسباب المشروعة في جميع أمورك في عباداتك وأمورك الدنيوية، لأن التوكل يتعلق بهذا وذاك. وتوكل في جميع أمورك على ( {الْعَزِيزِ} ) القوي الذي لا يُغْلَب، ( {الرَّحِيمِ} ) بالمؤمنين الذي بره وإحسانه واصل إليهم جل وعلا. ( {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} ) هذا دليل على المرتبة الثانية، ( {يَرَاكَ} ) إذًا لم يذكر مرتبة الاستحضار هنا، وإنما ذكر مرتبة الاطلاع، الذي ( {يَرَاكَ} ) جل وعلا ( {حِينَ تَقُومُ} ) في صلاتك متهجدًا وفي الليل، ( {وَتَقَلُّبَكَ} ) بالنصب معطوف على الضمير ( {يَرَاكَ} ) الكاف هذا في محل نصب، وتقلبك يعني يرى تقلبك فهو معطوف على المنصوب، والمعطوف على المنصوب منصوب.
( {وَتَقَلُّبَكَ} ) أي يرى تقلبك، ( {فِي السَّاجِدِينَ} ) يعني مع المصلين، والمراد بالتقلب هنا الركوع والسجود والقيام فهو معك يسمع ويرى ركوعك وسجودك وقيامك. ( {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} ) أي مع المصلين.