(وَكُلُّ أُمَّةٍ) من الأمم، وطائفة من الطوائف السابقة (بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِمْ رَسُولًا) إقامة منه تعالى الحجة على عباده. (مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ) ودعوتهم واحدة، يدعوهم و (يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ) جل وعلا، (وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتْ) وهو كل ما عُبِدَ من دون الله، طَاغُوت فَعَلُوت مأخوذ من الطغيان وهو مجاوزة الحد، ومنه {إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} [الحاقة: 11] يعني في السفينة، و {طَغَا الْمَاءُ} أي تجاوز حده، فكل ما تجاوز العبد به حدّه فهو طاغٍ، (وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا} [النحل: 36] ) واللام واقعة في جواب القسم، وقد هنا للتحقيق، وبعثنا بمعنى أرسلنا ( {فِي كُلِّ أُمَّةٍ} ) يعني في كل طائفة وقرنٍ وجيل. ( {رَّسُولًا} ) هذا نكرة في سياق القسم. ( {أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} ) وهذا مدلول لا إله إلا الله. فحينئذٍ نقول: الرسالة عمت كل أمة لقوله: ( {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ} ) وقال جل وعلا: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] . وهذا أدل من جهة العموم. {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ} من هذه زائدة، وأمة هذا مبتدأ، وهو نكرة في سياق الشرط فحينئذٍ يعم كل الأمم، وأن دين الأنبياء واحد لأنه قال: ( {كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا} ) . ماذا يقول لأممهم؟ ( {أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} ) أي أفردوا الله جل وعلا بالعبادة، واتركوا كل ما عُبِدَ من دون الله جل وعلا، من متبوع أو معبود أو مطاع.
قال المصنف: (وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ، وَالإِيمَانَ بِاللهِ) وحده وهو مدلول الآية السابقة قوله جل وعلا: {أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} . وهذا مجمع عليه بين الرسل وأقوام الرسل المصدقين لهم.
(وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ) إنسهم وجنهم (الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ، وَالإِيمَانَ بِاللهِ) لأن هو معنى العبادة التي جاء بيان الحكمة في خلق الإنس والجن لها {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] . يعني إلا ليؤمنوا بالله جل وعلا ويكفروا بالطاغوت.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في تفسير الطاغوت، لأن الطاغوت هذا اختلف فيه قال رحمه الله: (الْطَّاغُوتِ) . في بيان حدٍّ جامع لكل ما قيل. لأنه قيل: الطاغوت هو الشيطان، وقيل: الكهان، وقيل: من عُبِدَ من دون الله وهو راضٍ، بل أُطلق ثيل: من عُبِدَ من دون الله، جمع ابن القيم هذه الحدود في حدّ جامع مانع فقال: (الطاغوت - فعلوت كما ذكرنا -(مَا) يعني شيء أيًّا كان حسيًّا أو معنويًّا (تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ) أي قدره الذي ينبغي له في الشرع (مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ) يعني قدره الذي ينبغي له في الشرع.