الثالث من الطواغيت: (وَمَنْ دَعَا الْنَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ) وتعظيمه، فحينئذ يكون من الطواغيت، وهذا يكثر في ماذا؟ يكثر في أتباع الصوفية ونحوهم، فإنهم يدعون غيرهم إلى عبادتهم نفسهم، (وَمَنْ دَعَا الْنَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ) وإن لم يعبدوه فإنه من رؤوس الطواغيت سواء أُجيب لما دَعَا إليه أم لم يجب كفرعون، قال بعض كبار الصوفية: من كان له حاجة فليأت إلى قبري وليستغيث بي. نقول: هذا أوصي وبئست الوصية.
[الرابع من الطواغيت] : (وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ) المطلق لا النسبي. فنقول: الغيب نوعان:
-غيب مطلق لا يعلمه إلا الله جل وعلا.
-وغيب نسبي وهذا يعلمه البعض دون البعض.
(وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ) حينئذ نقول: هذا يعتبر من الطواغيت كالمنجمين والعرافين ونحوهم، {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65] .
[الخامس من الطواغيت] : (وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ) فإنه طاغوت، فإنه يعتبر من الطواغيت.
وبعضهم جعل الحكم بما أنزل الله من مقتضيات توحيد الربوبية لأنه تنفيذ لحكم الله الذي هو مقتضى الربوبية، وبعضهم جعله من أفراد توحيد الألوهية، وبعضهم جعله متعلقًا بنوعي التوحيد الربوبية والألوهية وهذا هو الأظهر. قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] . وجاء في آية أخرى {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] ، وجاء في آية ثالثة {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] ، وهذه الأوصاف المتعددة هل هي أوصاف لموصوف واحد أو لموصوفين مختلفين؟
قولان، والأصح أنها لموصوفين مختلفين، يعني يختلف الوصف باختلاف الحال. قد يكون الحاكم بغير ما أنزل الله في حالٍ وهيئةٍ كافرًا، وقد يكون في حالٍ وهيئةٍ أخرى فاسقًا وليس بكافر، وقد يكون في حالٍ ثالثٍ ظالِمًا ليس بكافر. فحينئذ نقول هذه على الصحيح: أوصاف متعددة لموصوفين مختلفين بحسب ما يحمله على الحكم بغير ما أنزل الله. فإن اعتقد أن حكمه بغير ما أنزل الله مثل حكم الله - مثله أي مساويًا له أو أنه أصلح وأنفع للناس، فهذا كافر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة.
أما إذا لم يعتقد المثلية ولا الأصلحية فهذا يكون ظالِمًا، وأما إذا حكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن حكم الله أصلح وأنفع وأن حكم غيره لا خير فيه، وإنما حكم بغيره لهوى وشهوة فإنه يكون فاسقًا لا كافرًا.
إذًا لا تنزل هذه الآيات الثلاث على حال واحدة أو على شخص واحد يعني ليس كل من حكم بغير ما أنزل الله فيكون كافرًا كفرًا أكبر مخرجًا من الملة.