(وَفِي الْحَدِيثِ: «رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلاَمُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ، وَذِرْوَةُ سِنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» ) . هذا الحديث أراد المصنف رحمه الله تعالى أن يستدل به على أن الإسلام له رأس، وأن الإسلام يزول بزوال الرأس، كما أن البدن يزول بزوال الرأس، ( «رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلاَمُ» ) يعني رأس الدين الإسلام الذي هو التوحيد، فإن زال التوحيد وزال الإسلام لم يبق للإنسان دين، فبزوال الإسلام زال دينه، لأن كل إنسان لا بد له أن يتدين، أن يتعبد، وإن لم يتوجه إلى معبوده الحق لزم أن يتوجه إلى معبوده الباطل. يقول ابن القيم رحمه الله في كلام نفيس له: (إن هذه الأعمال أعمال القلوب متلازمة) يعني لا يظن الظان أنه إذا لم يخلص أنه لم يشرك، لا، إذا انتفى الإخلاص لزم أن يُوجد ضده شئت أم أبيت، رضيتَ أو لم ترضَ، فمن عبد الله بحق لا بد وأن يكون القلب قد تبرأ من كل المعبودات الباطلة، فإذا وُجِدَ الخوف التام من الله تبرأ القلب من كل خوف من غير الله جل وعلا، إن نقص الخوف من الله لا بد وأن يحل محله خوف من الخلق .. وهلم جرا. ( «رَأْسُ الأَمْرِ» ) يعني رأس الدين ( «الإِسْلاَمُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ» ) شبَّه الإسلام بماذا؟ بالفسطاط يعني الخيمة، والخيمة لا بد لها من قائم تقوم عليه، عمود الفسطاط، إذا سقط العمود سقط الفسطاط، سقطت الخيمة، الدين الإسلام عموده الصلاة، فإذا سقطت الصلاة لم يبق للدين شيء فدل على ماذا؟ على أن تارك الصلاة كافر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، وهذا هو الحق، أن من ترك فرضًا واحدًا حتى خرج وقته عامدًا متعمدًا من غير عذر شرعي فقد كفر وخرج من الملة. ( «وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ» ) إذًا هذا فيه عظم شأن الصلاة وأنها من الدين بهذا المكان العظيم، وهو أن مكانها من الدين مكان العمود من الفسطاط كما أن الفسطاط يسقط بسقوط عموده كذلك الإسلام يسقط بسقوط الصلاة.
( «وَذِرْوَةُ سِنَامِهِ» ) ذِرْوَة ذَرْوَة ذُرْوَة مثلث الذال، ( «وَذِرْوَةُ سِنَامِهِ» ) ذروة الشيء أعلاه، وذروة البعير سنامه، وهو أعلاه وأرفعه، هذا فيه بيان أن الجهاد أعلى شيء في الدين، لأنه بذل للنفس، وأغلى ما يملكه الإنسان هو نفسه، فإذا بذلها لشيء معين يكون ذلك الشيء قد عظم في نفسه.
( «وَذِرْوَةُ سِنَامِهِ الْجِهَادُ» ) في سبيل الله، يعني أعلى شيء في الدين هو الجهاد في سبيل الله.
هذا الحديث أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: ختمًا لهذه الرسالة برد العلم إلى الله جل وعلا قال: (وَاللهُ أَعْلَمُ) . بعد أن بَيَّنَ لك أصول الدين، وما يجب على كل مكلف ومكلفة، من المسائل الأربعة والثلاثة، وبيان ملة إبراهيم عليه السلام، ثم في الأصول الثلاثة وما يتعلق بها قال: (وَاللهُ أَعْلَمُ) كما هي سنة أهل العلم، ختمها برد العلم إلى الله جل وعلا.