(أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ) الوجوب كما هو معلوم في اصطلاح الأصوليين، ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمً، أو ما أمر به الشارع أمرًا جازمًا. وهذا يشمل كل ما أمر به الرب جل وعلا أو أمر به رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأن يكون هذا الأمر جازمًا بحيث رَتَّبَ العقاب على الترك، وهذا الضابط في كون الأمر جازمًا أو ليس بجازم، لأنه ثَمَّ فروق بين الإيجاب وبين الندب، كل منهما مأمور به من جهة الشرع، كل منهما قد يأتي بصيغة (افعل) لكن (افعل) التي للوجوب لا قرينة معها، أو معها قرينة تدل على الوجوب على الإيجاب، (صلِّ وإلا قتلتك) أما إذا قال: صَلِّ فقط. هذا على الصحيح عند الأصوليين بل إجماع السلف يحمل على الوجوب. وأما إذا لم يكن كذلك فحينئذ يحمل على الندب كأن تكون ثَمَّ قرينة تصرف صيغة (افعل) إلى الندب. كأن يقترن بها ما يدل على عدم العقاب على الترك. «صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب» . هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، نقول: هنا في هذا التركيب لا يقتضي الوجوب، لأنه قيده بما يصرفه عن ظاهره وهو الوجوب بقوله: «لمن شاء» . فقوله: «لمن شاء» . هذا متعلق بقوله: «صلوا» . ولا شك أن الوجوب والإيجاب والواجبات القلبية والعملية هذه ليست متعلقة بالاختيار والمشيئة، وإنما الذي يتعلق بالاختيار والمشيئة هو الأمر إذا كان على جهة الاستحباب بمعنى المستحب والندب.
(يَجِبُ) كما ذكرنا في السابق أن المراد هنا الإيجاب في أعلى درجاته، لأن الواجب يختلف له مراتب. قد يكون الواجب الاصطلاحي الذي جعله الأصوليين أو الفقهاء في مقابلة الركن والشرط، لأن الصلاة - كما هو معلوم - لها شروط، ولها أركان، ولها واجبات. الواجب هنا في مقابلة الركن والشرط، هل يُفهم من هذا أن الشرط غير مأمور به، هل يفهم من هذا أن الركن غير مأمور به، وليس داخلًا في قول الأصوليين في تعريف الواجب بأنه: ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا. أو ما أمر به الشارع أمرًا جازمًا. نقول: لا، هو داخل فيه، وكلٌّ منهما واجب من حيث صدقُ الحدِّ عليه، لأن الشرط ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا، والركن كذلك، والواجب الذي يقابل الركن والشرط كذلك، إذًا ما الفرق بينها؟ ثَمَّ فوارق بين الركن والشرط، المراد بالواجب الذي عنون له المصنف هنا هو أعلى درجات الواجب الذي يكون في مثابة أو مقام الركن ونحو ذلك.
إذًا هذه أصول مهمات، وهذه أركان فواتها يؤدي إلى فوات ما ترتب عليها من الأحكام، كما أن الأركان هناك فواتها يؤدي إلى فوات الصلاة، أو الحج أو الصوم ونحو ذلك، فحينئذ نفسر الوجوب هنا بما لا يقابل الركن مقابلة مباينة، وإنما يوازي من جهة الاصطلاح الركن، لأنه داخل في الماهية وهو ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا.
(أَنَّهُ يَجِبُ) الوجوب نوعان - كما سبق: وجوب عيني، ووجوب كفائي. والمراد هنا الوجوب العيني يجب عينًا بمعنى أن المخاطب بهذه المسائل الثلاث كل من صح منه أو كان مكلَّفًا وُجِدَ فيه شرائط التكليف سواء كان ذكرًا أو أنثى عبدًا أو حرًّا، فوات هذا الواجب يترتب عليه العقاب في الدنيا والآخرة وقد يكون في الآخرة دون الدنيا.