فكان هذا التنوع من أمور العبادة يناسب قدرة الإنسان وعجزه، فكان في منظومة المدافعة التي أوجد الله عز وجل الإنسان عليها، السنة الموجودة في الخلق سنة قدرة مالية، سنة قدرة بدنية، وقدرة ذهنبة، وقدرة مكانية، ويختلف الناس في طبائعهم: فمن الناس من هو في بلد فقر ومن الناس من هو في بلد غنى، ومن الناس من هم في بلد بسطة في الجسم، ومن الناس من هو بلد فتن ومنهم من هم في بلد أمن وغير ذلك، فهذا التنوع من العبادات تشبع حالة الإنسان أن يتقرب لله سبحانه وتعالى وأن يكثر من رصيده عند الله جل وعلا، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى ولطفه في ذلك؛ لهذا تنوعت العبادات وكان من أنواعها ما يتعلق بالصيام.
ونجد أن الصيام الذي شرعه الله سبحانه وتعالى شرعه متعددًا ومتنوعًا وليس على زمن معين، فجعله الله سبحانه وتعالى على مراتب: منها ما هو حولي وهو صيام شهر رمضان، منها ما هو أيام حولية كصيام عرفة وكصيام يوم عاشوراء، ومنها ما هو أسبوعي كصيام الاثنين والخميس، ومنها ما هو شهري كصيام ثلاثة أيام من كل شهر، أو الأيام البيض، ومنها ما هو يوم وراء يوم كصيام داود: أن يصوم يومًا وأن يفطر يومًا، ومنها أن يصوم الإنسان شهرًا بعينه من غير استيعاب له بكامله كصيام شهر الله المحرم وصيام شعبان؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكثر من صيامهما. ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى نوع هذه العبادة حتى تتناسب مع الإنسان، فربما يكون الإنسان مسافرًا في هذا الشهر أو مريضًا فتفوته، فلا يستدرك العبادة إلا في العام القادم في تلك المناسبة، فجعل الله عز وجل هذه الشريعة تبقى مع الإنسان على سبيل الدوام، إن فاته هذا الفضل في هذا اليوم فثمة يوم يليه، وإن فاتته المناسبة الأسبوعية أو الشهرية فإن هناك ما يليها، فكان فضلًا من الله سبحانه وتعالى ومنة على العباد أن يستكثروا من أعمال الطاعات، وذلك رحمةً بالعباد ولطفًا بهم.