الصفحة 48 من 75

الدليل الثاني:

أن للمحيل أن يوفي الحق الذي عليه بنفسه وبوكيله، وقد أقام المحال عليه مقام نفسه في التقبيض، فلزم المحال القبول، كما لو وكل رجلًا في إبقائه (3) ·

دليل القول الثاني:

عللوا له بأن الحقوق التي في الذمم قد تنتقل تارة إلى ذمة بالحوالة، وتارة إلى عين بالمعاوضة، فلما ثبت أن نقله إلى العين لا يلزم إلا بالتراضي، فنقله إلى الذمة أولى ألا يلزم إلا بالتراضي، لأنه بنقله إلى عين أخرى قد وصل إلى حقه، وبنقله إلى ذمة أخرى لم يصل إلى حقه (4) · وحاصل هذا قياس الحوالة على عقد البيع، فكما أن الرضا لابد منه في عقد البيع فكذلك في الحوالة لابد من رضا المحتال؛ لأن حقه في ذمة المحيل فلم يجز نقله إلى غيرها بغير رضاه، كما لا يجوز أن يجبره أن يأخذ بالدين عرضًا (1) ·

المناقشة:

يناقش هذا الاستدلال من وجوه:

أحدها: أن الحوالة تفارق ما إذا أراد أن يعطيه عما في ذمته عرضًا؛ لأنه يعطيه غير ما وجب له، فلم يلزمه قبوله، أما الحوالة فإنه يوفيه حقه الذي في الذمة، فافترقا، فلا يصح هذا القياس (2) ·

الثاني: أن هذا فيه قياس الحوالة على عقد البيع بجامع المعاوضة في كل منهما، وقد سبق في حقيقة الحوالة أنها استيفاء وعقد إرفاق مستقل، تختلف عن البيع في أمور كثيرة، فلا يصح قياس أحدهما على الآخر، والحال ما ذكر ·

الثالث: أنه قياس في مقابلة النص الصحيح الصريح، فلا يؤخذ به، لأنه إذا صح الحديث فلا عبرة بالقياس في مورد النص ·

الترجيح وسببه:

من خلال ما تقدم يترجح القول الأول القاضي بأن رضا المحتال لا يشترط؛ لقوة ما استدل به له، حيث إن له دليلًا من السنة وآخر من المعقول صريحة في الدلالة، وأن دليل القول الثاني هو قياس قد أمكن مناقشته مناقشة قوية لا يقوى على معارضة ما استدل به للقول الأول ·

والله أعلم ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت