الصفحة 7 من 68

وأما مسألة الحلف فإن المراد بها الأيمان على الماضي لا على المستقبل، فالأيمان على المستقبل التي تصح فيها الكفارة لا تدخل في البينات، بل الذي يدخل في البينات هو الأيمان على الماضي وهي ما تسمى باليمين الغموس لأنها تغمس صاحبها في النار. ومما يجب التنبيه أن اليمين حين يطلبها الحاكم من المدعي أو المدعى عليه إنما هي على نية المحلف أي على نيّة الحاكم فلا تدخل فيها التورية ولا تصح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يمينك ما يصدقك به صاحبك» وفي رواية مسلم: «اليمين على نية المستحلف» فهذا دليل على أن الاعتبار إنما هو بقصد المحلف من غير فرق بين أن يكون المحلف هو الحاكم أو الغريم، وبين أن يكون المحلف ظالمًا أو مظلومًا، صادقًا أو كاذبًا، فاليمين على نية المحلف لا على نية الحالف. وأما ما روي عن سويد بن حنظلة قال: «خرجنا نريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له فتخرج القوم أن يحلفوا، وحلفت أنه أخي فخلى عنه، فأتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكرت ذلك له، فقال: أنت كنت أبرّهم وأصدقهم، المسلم أخو المسلم» فإنه وإن كان يدل على أن اليمين على نية الحالف وتصح فيه التورية وتدخله المعاريض ولكن ذلك فيما إذا لم يستحلفه القاضي أو الغريم، وأما إذا استحلفه القاضي أو الغريم فإن اليمين على نية المحلف لا على نية الحالف، فحتى لا يمكّن القاضي أحدًا من اللجوء إلى التورية والمعاريض لأكل حقوق الناس أو للفرار من العقوبة عليه أن لا يقبل من المدعي أو المدعى عليه أن يبادر هو باليمين فيحلف قبل أن يستحلف، بل على القاضي أن يكلف المطلوب منه اليمين بحلف اليمين، فإن بذلك لا تبقى هناك شبهة بأن اليمني على نية المحلف لا على نية الحالف لأنه استحلف من قبل القاضي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت