يعتبر القاضي قاضيًا إذا كان في مجلس القضاء، فإن لم يكن في مجلس القضاء لا يعتبر قاضيًا، لأن المجلس الشرعي أي مجلس القضاء شرط من شروط صحة القضاء. عن عبد الله بن الزبير قال: «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم» فهذا الحديث فيه دليل على أن القاضي إنما يقضي في مجلس قضاء يقعد فيه الخصمان بين يديه. فهذا المجلس إذا عاين القاضي فيه شيئًا بأن فحصه ووصل علمه له، أو شاهد شيئًا فإن معاينته هذه ومشاهدته يجوز له أن يحكم بها بعلمه، لأنه علم حصل في مجلس القضاء، فهو كالعلم في البينة، وكالعلم في الحلف، ولا يدخل هذا تحت قضاء القاضي بعلمه، فإن هذا ليس قضاءً بعلمه بل قضاء بما ثبت له في مجلس القضاء، فلو شاهد البنت في مجلس القضاء ووجدها بالغة أو فحص البضاعة في مجلس القضاء فوجدها تالفة أو فاسدة، وقضى بناء على ذلك فإن قضاءه صحيح ولا يكون من قبيل القضاء بالعلم بل من قبيل القضاء بالبيّنة، حيث تبين له بلوغ البنت أو فساد البضاعة. أما إذا عاين القاضي الشيء أو شاهده خارج مجلس القضاء وتأكد منه فإنه لا يجوز له أن يقضي بناء على معاينته هذه أو مشاهدته، وإن فعل ذلك يكون قد قضى بعلمه وهو لا يجوز، فإذا عاين شيئًا أو شاهده وهو في غير مجلس القضاء لم يقض به إلا إذا أحضر إلى مجلس القضاء وعاينه أو شاهده هناك، أو قامت بينة عادلة على ذلك، فمعاينة القاضي ومشاهدته إنما تعتبر ويقضي بها إذا كانت في مجلس القضاء، ومثل المعاينة السماع، فلا يصح أن يرجم شخصًا ويدعي أنه زنى وأنه رآه وهو يزني، ولا أن يفرق بين الرجل وبين زوجته ويدعي أنه سمعه يطلقها، ولا أن يجلد شخصًا ويدعي أنه شاهده يشرب الخمر، فإن رؤيته وسماعه ومشاهدته لا يصح أن يقضي بها إذا كانت خارج مجلس القضاء، لأنها إنما تعتبر إذا كانت فقط في مجلس القضاء. وهذا كالبينة والإقرار والحلف فإنها لا تعتبر إذا حصلت في خارج مجلس القضاء فكذلك