وقد يقال أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد قضى بعلمه في النفقة في حادثة هند زوجة أبي سفيان، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أذن لها أن تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف، لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما قضى لها ولولدها بوجوب النفقة لعلمه بأنها زوجة أبي سفيان ولم يلتمس على ذلك بينة، فدل على أن للقاضي أن يحكم بعلمه في النفقة، والجواب على ذلك أن هندًا لم تشك للرسول - صلى الله عليه وسلم - على أبي سفيان حتى تكون الحادثة من قبيل القضاء والحكم، وإنما سألته هل يجوز لها أن تأخذ من مال أبي سفيان فإنه رجل شحيح فأجابها على سؤالها بقوله: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، فهذا جواب على سؤال أي فتوى، وكلام المفتي يتنزل على تقدير صحة كلام المستفتي، فلا يكون الرسول قد قضى بعلمه وإنما أجاب على سؤال، فلا يصلح الحديث دليلًا على جواز أن يقضي القاضي بعلمه.
وبناء على ذلك فإنه لا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه لا في الحدود ولا في الجنايات ولا في الأموال ولا في المعاملات ولا التصرفات، لحديث عائشة وحديث ابن عباس، بل عليه أن يطلب البينة، ولا يحكم إلا ببينة، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «شاهداك أو يمينه» ويقول: «وليس لك إلا ذلك» .