وقد يقال أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد قضى بعلمه، فعن أبي هريرة قال: «جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال للمدعي: أقم البينة، فلم يقمها، فقال للآخر: احلف، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عنده شيء، فقال له رسول - صلى الله عليه وسلم: قد فعلت، ولكن غفر لك بإخلاص لا إله إلا الله» وفي رواية للحاكم: «بل هو عندك ادفع إليه حقه، ثم قال شهادتك أن لا إله إلا الله كفارة يمينك» وفي رواية لأحمد: «فنزل جبريل عليه السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنه كاذب إن له عنده حقه، فأمره أن يعطيه حقه وكفارة يمينه معرفته أن لا إله إلا الله» . فهذا الحديث دليل على أن القاضي يجوز أن يحكم بعلمه، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - قضى بعلمه بعد وقوع السبب الشرعي الذي يستوجب رد الدعوى وهو اليمين، فبالأولى جواز القضاء بالعلم قبل وقوعه. والجواب على ذلك من وجهين: أحدهما: أن هذا الحديث أعله بن حزم بأبي يحيى وهو مصدع المعرقب، وأعله أبو حاتم برواية شعبة عن عطاء بن السائب عن البختري بن عبيد عن أبي الزبير، وما أخرجه أحمد من رواية ابن عباس في هذا الحديث في إسناده عطاء بن السائب وقد تكلم فيه غير واحد، فيكون سند الحديث مطعونًا فيه فيرد ولا يحتج به، والوجه الثاني أنه لو فرض صحة الحديث فإن الإعلام الذي حصل للرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذه القضية إنما جاء عن طريق الوحي وما جاء عن طريق الوحي يعمل به وترد البينة ويرد اليمين، لأن الوحي هو الصادق، فلا يقاس علم أي شيء عليه أي على علم الوحي، ثم إن العلم عن طريق الوحي خاص بالرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو من خصوصياته فلا تطالب به أمته فلا يكون دليلًا على الحكم بالنسبة للأمة، وعليه لا يصلح هذا الحديث دليلًا على جواز أن يقضي القاضي بعلمه.