الصفحة 71 من 81

من المعلوم أن من تريد الخلع من زوجها يفترض أن تكون كارهة وغير مطيقة له، فهذا الألفاظ التي وردت في بعض الروايات تعبر عن حال امرأة ثابت - رضي الله عنه - وعن حال كلّ طالبة للخلع من زوجها، ومع ذلك لم نجدّ في القرآن الذي ذكر الخلع ولا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلزام الرجل بخلع زوجته، بل بقي الأمر فيه متروكًا للرجل؛ لأنه حقّ ملكه الله له كما في العديد من النصوص القرآنية، ولا حقّ لأحد أن ينزع هذا الحقّ منه.

وحاصل الكلام في مسألة الخلع القضائي أنها من المسائل المجمع عليها؛ إذ لم نقف على كلام أحد يعتد به من الفقهاء المعتبرين أجاز للقاضي إلزام الرجل بالخلع إلا ما صرّح به الشوكاني وتبعه عليه سيد سابق، ويؤيد هذا الإجماع نصوص القرآن الصريحة في أن الطلاق من حقّ الرجل وكذلك سنة المصطفى الحبيب - صلى الله عليه وسلم -، أما كلام الإمام سعيد بن جبير - رضي الله عنه - فليس صريح بإلزام القاضي للزوج بالخلع.

وأختم حديثي بكلام رصين للإمام الفقيه الأصولي المفسّر أبي بكر الجصاص؛ إذ قال (1) : (( قوله - صلى الله عليه وسلم - لامرأة ثابت بن قيس:(أتردين عليه حديقته؟ فقالت: نعم فقال للزوج: خذها وفارقها) يدل على ذلك; لأنه لو كان الخلع إلى السلطان شاء الزوجان أو أبيا إذا علم أنهما لا يقيمان حدود الله لم يسألهما النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ولا خاطب الزوج بقوله: (اخلعها) . بل كان يخلعها منه ويرد عليه حديقته, وإن أبيا أو واحد منهما, كما لما كانت فرقة المتلاعنين إلى الحاكم, لم يقل للملاعن خل سبيلها، بل فرق بينهما, كما روى سهل بن سعد - رضي الله عنه: (إن النبي - صلى الله عليه وسلم - فَرَّقَ بين المتلاعنين) ، كما قال في حديث آخر: (لا سبيل لك عليها) . )).

(1) في أحكام القرآن للجصاص 1: 539.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت