فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 55

فبعد القيام بواجب الدعوة، وتبليغ الدين للناس أجمعين، والتعريف بالإسلام على نطاق واسع، تكون علاقة السلم أو الحرب مع الآخرين، بعد تحديد موقفهم من دعوة الإسلام قبولا أو رفضا.

وهذا ما أصله فقهاء الإسلام قديما، يقول العلامة أبو القاسم السمناني الحنفي [ت 499] :"وكل من لم تبلغه الدعوة إلى الإسلام قديما، فالسنة أن يدعى إلى الإسلام، ويعلم ما يدعى إليه ونبين له شرائعه وفرائضه وأحكامه، فإن أسلم كف عنه وخلي وشأنه، ودعي إلى التحول إلى دار الإسلام والكون فيها، فإن لم يجب إلى ذلك كله، دعي إلى الجزية، فإن بذلها كف عنه، وإن امتنع استعين بالله وقوتلوا على اسم الله وملة رسول الله صلى الله عليه وسلم" [1] .

ويقول الكاساني [ت 785 هـ] رحمه الله:"إن كانت الدعوة لم تبلغهم، فعلى المجاهدين الافتتاح بالدعوة الإسلامية باللسان لقوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125] ، ولا يجوز لهم القتال قبل الدعوة، لأن الإيمان، وإن وجب عليهم قبل بلوغ الدعوة بمجرد العقل فاستحقوا القتل بالامتناع، لكف الله تعالى حرم قتلهم قبل بعث الرسول وبلوغ الدعوة إياهم فضلا منه ومنة، قطعا لمعذرتهم بالكلية، ولئلا يبقى لهم شبهة عذر فيقولوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك، كما يجب تقديم هذه الدعوة كذلك، لأن القتال ما فرض لعينه وذاته بل للدعوة إلى الإسلام، والدعوة دعوتان: دعوة بالبنان وهي القتال، ودعوة بالبيان وهو اللسان، وذلك بالتبليغ، والثانية أهون من الأولى لأن في القتال مخاطرة بالروح والنفس والمال، وليس في دعوة التبليغ شيء من ذلك، فإذا احتمل المقصود بأهون الدعوتين لزم الافتتاح بها" [2] .

فإذا قام المسلمون بواجب الدعوة إلى الله والتعريف بالإسلام وتعاليمه حتى يتعرف عليه أهل الأمم الأخرى، عندئذ ينقسم غير المسلمين نحو الإسلام إلى أقسام ثلاثة، لكل قسم معاملة خاصة وعلاقة محددة، وهذه الأقسام الثلاثة هي:

أولا: القسم الأول: من يستجيب منهم لدعوة الإسلام، ويعتنق دينها، فهؤلاء إخواننا، لهم مالنا وعليهم ما علينا قال تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} [التوبة: 11] وقال عز من قائل أيضا: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} [التوبة: 05] .

(1) -"روضة القضاة وطريق النجاة"للسمناني: 3/ 1237، تحقيق د. صلاح الدين الناهي.

(2) -"بدائع الصنائع"للكاساني: 9/ 4304.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت