فهرس الكتاب
و ثالثها إن الحنابلة قالوا إن بعض الأشاعرة كان يتعمد الكذب عليهم، نكاية فيهم و انتصارا لمذهبه، فقالوا إن أعيان الأشاعرة عندما أرسلوا كتابهم إلى نظام الملك، كذبوا عليهم فيه، و ذكروا له عنهم أشياء زورا و بهتانا [1] . و ذكر المتكلم أبو الوفاء بن عقيل أن الأشاعرة في نزاعهم مع أصحاب الحديث كانوا يكذبون عليهم [2] ،و عليه فمن الممكن جدا أن تلك المقولة هي من ضمن تلك الأكاذيب.
و الحادي عشر هو المتكلم ابن الأهدل اليمني الأشعري، ادعى أن الشيخ عبد القادر الجيلاني (ت 561ه) كان أشعري المعتقد حنبلي الفروع [3] ، مسايرا للمؤرخ اليافعي المكي الصوفي (ت 768ه) الذي روى إن الشيخ الجيلاني غيّر اعتقاده في آخر عمره، مدعيا إن الشيخ نجم الدين الأصفهاني أخبره بأن الجيلاني لما (( بلغه أن الفقيه الإمام البارع المشكور تقي الدين بن دقيق العيد المشهور تعجّب من شذوذ الشيخ عبد القادر المذكور، في اعتقاده عن موافقة الجمهور العارفين، و العلماء المحققين في مسألة الجهة المعروفة ) )غيرّ-أي الجيلاني- عقيدته في الجهة و المكان، في آخر عمره [4] .ثم أضاف اليافعي أنه لا يشك في الشيخ نجم الدين-الذي أخبره بذلك- لأنه من ذوي الكشف و النور، و يسكن في العراق، فهو قريب من موطن الشيخ الجيلاني [5] .
و ردا عليه أقول: إن ما ادعاه اليافعي باطل لا يصح لعدة و جوه، أولها إن الشيخ عبد القادر أثبت الصفات الإلهية، كالعلو، و الجهة، و الاستواء على العرش، في كتابه الغنية و لم يؤوّلها، و رد فيه على الأشاعرة في مسألة النزول و الصوت و الحرف، و ذمهم و وصفهم بالابتداع [6] . و الثاني هو إن اليافعي انفرد بهذا الخبر عن غيره من المؤرخين، فأنني لم أعثر عليه في كتب التراجم و التواريخ، و الطبقات التي اطلعت عليها. لذا فمن المستبعد جدا أن يغيّر الجيلاني اعتقاده الحنبلي، و لا يشتهر ذلك عنه بين الحنابلة و الطوائف الإسلامية الأخرى، و بين خصومه الحنابلة الذين يبحثون عن أي شيء للطعن فيه [7] . و الثالث إن خبره يحمل في ذاته الدليل القاطع على بطلانه، لأن فيه أن الشيخ عبد القادر غيّر اعتقاده، عندما بلغه ما قاله عنه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد. فكيف يبلغه ذلك و هذا الأخير- أي ابن دقيق العيد- قد وُلد في سنة 625ه، و توفي
(1) ابن أبي يعلى الفراء: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 239.
(2) ابن عقيل: الرد على الأشاعرة العزال، ص: 91.
(3) ابن الأهدل:: كشف الغطاء، تونس، الاتحاد العام التونسي للشغل، د ت ص: 83.
(4) اليافعي: مرآة الجنان، ج 3 ص: 362، 363.
(5) نفسه ج 3 ص: 362.
(6) عبد القادر الجيلاني: الغنية لطالبي طريق الحق ج 1 ص: 71، 72، 74، 78.
(7) منهم عبد الرحمن ابن الجوزي الذي كان خصما للجيلاني.