فهرس الكتاب
و ذكر ابن الجوزي أن الخطيب البغدادي دفعه تعصبه لمذهبه إلى الانتصار له باستخدام بعض الأحاديث الضعيفة و الموضوعة في قضايا فقهية، ذكرها و سكت عنها و هو على علم بها، و قد صحّ عن رسول الله -عليه الصلاة و السلام- إنه قال: (( من روى حديثا يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين ) )،و قال -أي ابن الجوزي- إن من يطلع على كتابه في الجهر بالبسملة، و مسألة الغيم، و احتجاجه بالأحاديث الباطلة، يتحقق أن هذا الرجل فيه فرط عصبية، و قلة دين [1] . ثم ذكر ابن الجوزي أنه كان في الخطيب (( شيئان، أحدهما الجري على عادة عوام أهل الحديث في الجرح و التعديل، فإنهم يُجرّحون بما ليس يُجرّح، و ذلك لقلة فهمهم. و الثاني التعصب على مذهب أحمد و أصحابه ) )، و التعصب لمذهبه أيضا [2] .
و النموذج الخامس يتعلق باتهام ابن الجوزي للحافظ أبي سعد السمعاني الشافعي (ت562ه) بالتعصب البارد على الحنابلة، و طعنه في جماعة منهم بما لا يُوجب طعنا [3] . فمن ذلك أنه-أي السمعاني- عندما ترجم للحافظ أبي الفضل بن ناصر السلامي البغدادي الحنبلي (ت550ه) في تاريخه، وصفه بأنه ديّن ثبت متقن عارف بالمتون و الأسانيد. ثم قال عنه: لكنه يحب أن يقع في الناس، و يتكلم في حقهم، و يحرص على تسجيل ما يقع له من مثالبهم [4] ؛ وأنه لا يحسن الكلام في الرواة، إذ قال في أحدهم: (( كان كذابا ضعيفا في الرواية، لا يُحتج به و لا يُعتمد علي روايته ) )، فبما أنه قال: (( كذابا ) )لا يحتاج أن يقول: (( لا يُعتمد على روايته ) )،و إذا رماه بالكذب فلا يُقال: (( أنه ضعيف في الرواية، فإن الضعف دون الكذب ) ) [5] . ثم تصدى ابن الجوزي للرد عليه، فاتهمه بالتعصب على الحنابلة و الطعن فيهم، و عدم التفريق بين الجرح و الغيبة، و أنه متناقض في موقفه من ابن ناصر، فهو قد احتج كثيرا بكلامه في كتابه ذيل تاريخ بغداد، ثم هو يطعن فيه من جهة أخرى [6] . لذا فهو-في نظر ابن الجوزي- قد أزرى على نفسه، و ما كان ينبغي أن يحتج بكلامه في شيء، و أي شغل للمحدث غير الجرح و التعديل؟ فمن عدّ ذلك طعنا
(1) نفسه، ج 8 ص: 268، 269. و التحقيق في أحاديث الخلاف، ج 1 ص: 462 و ما بعدها.
(2) ابن الجوزي: المنتظم، ج 8 ص: 155، 156، 268.
(3) نفس المصدر، ج 10 ص: 224. و الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج 4 ص: 1289.
(4) ابن الجوزي: المنتظم ج 10 ص: 163.و الذهبي: سير أعلام النبلاء ج 20 ص: 268.و تذكرة الحفاظ ج 4 ص: 1289.و ابن رجب: المصدر السابق ج 1 ص: 227. و ابن الفرات: تاريخ ابن الفرات، حققه حسن الشماع، بغداد، دار الطباعة الحديثة، 1969، مج4 ج 1 ص: 12.
(5) ابن رجب: نفسه ج 1 ص: 227.
(6) ابن الجوزي: المصدر السابق ج 10 ص: 163.و الذهبي: تذكرة الحفاظ ج 4 ص: 1289.