فهرس الكتاب
مذموما فما عرف علم الحديث. فلقد (( شفي أبو سعد غيظه بما لا معنى له في كتابه، فلم يُرزق نشره لسوء قصده، فتُوفي و ما بلغ الأمل ) ) [1] ... .
ثم ذكر ابن الجوزي أنه لم تكن للسمعاني طريقة سليمة في الترجمة للأعلام، فيقول عن الرجل: حسن القامة. و عن إحدى الشيخات أنها: كانت عفيفة. و هذا ليس كلام من يدري كيف الجرح و التعديل. و قال عن إحدى النساء أنه كان يقال له: دخل خرج. و هذا كلام لا يقوله عاقل [2] . و ذكر عنه كذلك أنه كان يُدلس على الناس في التحديث، فيأخذ الشيخ البغدادي و يعبر به نهر عيسى [3] ،و يقول: حدثني فلان فيما وراء النهر [4] ،و يجلس معه في رقة بغداد، و يقول: حدّثني فلان بالرّقة [5] [6] .
وقد شرح الحافظ عبد العزيز بن الأخضر البغدادي الحنبلي (ت 611 ه/ 1214 م) ما عابه السمعاني على ابن ناصر في طريقة جرح الرواة ففي قوله: (( كذاب ضعيف لا يُحتجّ به، ولا يُعتمد على روايته ) )فهو جرح صحيح، وصفه بالكذب لأنه روى ما ليس من سماعه، و نُهي فلم ينته. وقوله: ضعيف في الرواية، لأنه لم يميز صحيح حديثه من سقيمه. ولا (( يُحتجّ به ) )لأنه كذاب و ضعيف، و لا (( يُعتمد على روايته ) )لوجود هذا التخليط في معرفته و حديثه. فلو وصفه بمجرد الكذب لما كان من أهله، فالمترجم له لم (( ينفرد بوصف من هذه الأوصاف بل اشتمل عليها جميعا فكان الجرح على حسبها [7] .
وأما عن اتهام ابن الجوزي للسمعاني بالتدلبس في التحديث، فيرى المؤرخان ابن الأثير (ت 630 ه/ 1232م) و العماد أبو الفدا (ت 732 ه/ 1331 م) أن ما قاله ابن الجوزي بارد جدا؛ فأي حاجة للسمعاني إلى هذا التدليس، بأن يأخذ شخصا ليحدثه و يقطع به نهر عيسى في بغداد، و يقول: حدثني فلان من وراء النهر. وهو قد سافر فعلا إلى بلاد ما وراء النهر؟! و إنما ذنبه عند ابن الجوزي هو أنه شافعي [8] .
و أقول: إنه حقا لم يكن السمعاني في حاجة إلى هذا التدليس، لكننا من جهة أخرى يصعب تكذيب ابن الجوزي فيما رواه عنه، فهل يسمح لنفسه أن يتعمد الكذب عليه، و يذكر الخبر بصيغة التأكيد لا التمريض؟ و إذا افترضنا أنه تعمد الكذب عليه، أليس في إمكان أهل بغداد كشفه و فضحه؟ و ألم يستح و يخاف من افتضاح أمره في تعمده الكذب عليه؟ كلّ هذا يجعلني أرجح صحة الخبر عن بطلانه. وما جاء عن السمعاني فهو ربما فعله مع بعض أهل العلم من باب التمثيل و الحكاية و التنكيت؛ ولم يكن هدفه التمويه و التدليس، لأن ما فعله ليس تدليسا في حقه لأنه رحل فعلا إلى بلاد ما وراء النهر. فجاء ابن الجوزي و حمل تصرفه على الحقيقة، و وجده فرصة للطعن فيه.
و للمؤرخ شمس الدين الذهبي رأي في مسألة طعن السمعاني في ابن ناصر، مفاده أن السمعاني لم يكن يتعصب على الحنابلة، و لم يجرّح ابن ناصر ولم يعدّله وإنما قال عنه: (( إنه يحب أن يقع في الناس ) )و هو فعلا قد كان فيه تعصب و تعسف في جرّحه و تعديله لبعض الشيوخ [9] . ثم انتقل الذهبي للرد على ابن الجوزي قائلا له: (( لا تنه عن خلق و تأتي مثله ) )، فأنت الذي تتفاخم على السمعاني، و قد ملأت كتابك المنتظم بتراجم السمعاني-التي في تاريخه- منذ نيّف [10] و ستين و أربعمائة إلى زمانك [11] . ثم ذكر أن السمعاني أعلم من ابن الجوزي بالحديث و الرجال و التاريخ، و لا يصل مرتبته. فأين من رحل في طلب الحديث إلى الشام، و العراق، و الحجاز، و خراسان، و ما وراء النهر، و سمع في أكثر من مائة مدينة، من ابن الجوزي الذي لم يسمع إلا في بغداد، و لا روى إلا عن بضعة و ثمانين نفسا. لذا فلا ينبغي أن يطلق على ابن الجوزي اسم الحفظ باعتبار الاصطلاح، بل بالنظر إلى أنه ذو حافظة قوية، و علم واسع، و فنون كثيرة، و اطلاع عظيم [12] .
و يرى الباحث بشار عواد أن ابن الجوزي قد (( نال من أبي سعد السمعاني بكلام قبيح، على عادته مع من ينتقد الحنابلة من العلماء، و نسب إليه أشياء لا صحة لها ) ) [13] . لكن حقيقة الأمر-على ما يبدو- أن هناك تحاملا من الاثنين، فالسمعاني بالغ في الحط على ابن ناصر، فهو من جهة يصفه بأنه: حافظ ثبت، و ديّن مُتقن، و عارف بالمتون و الأسانيد، ثم يتهمه من جهة أخرى بعدم إتقان استعمال ألفاظ جرح الرواة . و ابن الجوزي دفعه نعصبه لأصحابه، و انتصاره
(1) ابن الجوزي: نفس المصدر ج 10 ص: 225.
(2) نفسه ج 10 ص: 225. و ابن الفرات: المصدر السابق مج 4 ج 1 ص: 12.
(3) يجري بالجانب الغربي من بغداد و يصب في نهر دجلة. احمد سوسة: خارطة بغداد ص: 72.
(4) هي البلاد التي تقع فيما وراء نهر جيحون الذي يصب في بحيرة خُوارزم، أي بحر آرال، عبد المنعم ماجد: الأطلس التاريخ للعالم الإسلامي، دار الفكر العربي، مصر، الخريطة رقم 7. .
(5) تقع في بلاد الجزيرة على نهر الفرات. عبد المنعم ماجد: نفس المرجع، الخريطة رقم: 4.
(6) ابن الجوزي: المصدر السابق ج 10 ص:225. و ابن الفرات: المصدر السابق مج 4 ج 1 ص: 12.
(7) ابن رجب: المصدر السابق ج 1 ص 227.
(8) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 9 ص:98. و أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر ج 3 ص:44.
(9) الذهبي: تذكرة الحفاظ ج 4 ص: 1289.و تاريخ الإسلام ج: 541 - 550ه/ ص: 406، 407.
(10) هو ما زاد عن العقد من واحد إلى ثلاثة. علي بن هادية: قاموس الطلاب الجديد ص: 1263.
(11) الذهبي: تاريخ الإسلام، ج: 541 - 550 ه/ص: 406، 407.
(12) نفسه ج: 541 - 550 ه/ص: 407.و سير أعلام النيلاء ج 20 ص: 268.
(13) المنذري: المصدر السابق ج 1 هامش ص: 98.