فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 180

لشيخه ابن ناصر، إلى الإفراط في الحط على ابن السمعاني، فهو و إن خطأّه في طريقة الترجمة للأعلام، فإنه قد روى عنه كذلك حادثة ما وراء النهر للطعن فيه بتعمد التدليس و الكذب؛ و هو يعلم أن السمعاني قد رحل بالفعل إلى بلاد ما وراء النهر، فكان عليه في هذه الحالة، إما أن يسكت عن هذا الخبر، و إما أن يرويه بصيغة التمريض لا بصيغة الإثبات و التأكيد، و إما أن يذكره و يبحث له عن تأويل مناسب.

و النموذج السادس يتعلق بتعصب النحوي أبي حيان محمد بن يوسف الأندلسي (ت 745ه) على الشيخ تقي الدين بن تيمية، و ذلك أنهما اجتمعا في مجلس فتكلما أبو حيان في مسألة نحوية، فقاطعه ابن تيمية فيها و ألزمه الحجة، فذكر أبو حيان قول سيبويه في المسألة، فقال له ابن تيمية: (( أسيبويه نبي النحو أرسله الله به حتى يكون معصوما، إن سيبويه أخطأ في القرآن ثمانين موضعا لا تعقلها أنت و لا هو ... ) )، فغضب أبو حيان و نافر ابن تيمية بسبب ذلك، و أصبح أكثر الناس ذما له، و كان من قبل قد مدحه بأبيات شعرية، فلما اختلف معه كشطها -أي الأبيات- من ديوانه [1] .

وهذه الحادثة تُظهر لنا نموذجين من أهل العلم في القرن الثامن الهجري، الأول هو رمز للتحرر من أغلال التقليد و التمذهب و التعصب، و هو ابن تيمية؛ و الثاني هو رمز للتقليد و التعصب للأشخاص، و هو أبو حيان الأندلسي، لأن الخلاف الذي حدث بينهما هو خلاف علمي عادي يحدث بين كل أهل العلم، المفروض أنه لا يُفسد ودا بين الرجلين، لكن أبا حيان لم يكن في المستوى المطلوب، فأقدم على أعمال هي حمَقات لا تليق بأهل العلم النزهاء.

و النموذج السابع يتعلق باتهام الفقيه الحنفي عبد الله الزيلعي (ت 762ه) لمحمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح بالتعصب على مذهب أبي حنيفة، فقال في البخاري: إنه كان شديد التعصب و التحامل عليه -أي مذهب أبي حنيفة-، حتى أنه عندما ذكر في أول كتابه-أي الصحيح-: باب الصلاة من الإيمان، و ذكر الأحاديث على ذلك، كان يقصد الرد على أبي حنيفة في قوله بأن الأعمال ليست من الإيمان [2] .

و أقول: إن الحقيقة هنا هي أن الزيلعي هو المتحامل على البخاري و المتعصب عليه، و هو أيضا مخالف لما كان قاله قبل ذلك بقليل، عندما نصح طالب العلم بترك التعصب و التحلي بالإنصاف [3] .ثم هو هنا يتعصب على البخاري و ينتصر لمذهبه، و المفروض أن يكون مُنصفا، لأن البخاري ذكر الصواب عندما قرر أن الصلاة من الإيمان، بدليل الأحاديث التي ذكرها؛ و هي شاهدة على مخالفتها لقول أبي حنيفة في هذه المسألة، سواء قصد البخاري الرد عليه أم لا. و حتى إذا قصد الرد عليه، فمن حقه أن يرد عليه تحقيقا للصواب في هذه المسألة.

و النموذج الثامن يتعلق باتهام الفقيه تاج الدين السُبكي الشافعي (ت قرن: 8ه) للحافظ عبد الله الأنصاري الهروي الحنبلي (ت 481ه) بالتعصب لمذهبه، فقال: إنه كان شديد التعصب للحنبلية حتى كان ينشد على المنبر:

أنا حنبلي ما حييتُ و إن متُ + فوصيتي للناس أن يتحنبلوا

حتى أنه أيضا ترك الرواية عن شيخه القاضي أبي بكر الحيري لكونه أشعريا، ثم قال السُبكي: (( كل هذا تعصب زائد، برّأنا الله من الأهواء ) ) [4] .

و آخرها -أي النموذج التاسع - يتضمن نموذجا لتعصب التلميذ على أستاذه و تحامله عليه، و يتعلق بتعصب تاج الدين السُبكي على شيخه الحافظ شمس الدين الذهبي (ت748ه) ، فقال -أي السُبكي- إن شيخه الذهبي مع علمه و ديانته كان شديد التحامل على أهل السنة، فلا يجوز أن يُعتمد عليه؛ حتى أنه وصل من التعصب المفرط إلى حد يُسخر منه، ثم قال: (( و أنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب المسلمين و أئمتهم الذين حملوا لنا الشريعة النبوية، فإن غالبهم أشاعرة، و هو إذا وقع بأشعري لا يبقي و لا يذر، و الذي اعتقد أنهم خُصماؤه يوم القيامة ) ) [5] .

ثم طعن في علم شيخه بأنه كان قليل المعرفة بمدلولات الألفاظ، مع عدم ممارسته لعلوم الشريعة، كما أنه كان قليل التحري فيما يكتب عن علماء الحنفية و الشافعية و المالكية، ثم قال: (( فإني اعتقد أن الرجل كان إذا مدّ القلم لترجمة أحدهم غضب غضبا شديدا مفرطا، ثم قرطم الكلام و مزقه، و جعل من التعصب ما لا يخفى على ذي بصيرة ) ) [6] .

و قال أيضا أن شيخه الذهبي ذكر أخبارا عن الأشاعرة ربما اعتقد أنها من الدين، و أخرى ذكرها و هو يعرف أنها كذب و لم يختلقها، لكنه كان يحب (( وضعها في كتبه لتُنشر، و يحب أن

(1) ابن الدين: الرد الوافر، ص: 63 و ما بعدها.

(2) الزيلعي: نصب الراية، ج 1 ص: 356.

(3) نفس المصدر، ج 1 ص: 355.

(4) طبقات الشافعية الكبرى، ج 2 ص: 473.

(5) نفس المصدر، ج 2 ص: 13.

(6) نفس المصدر، ج 2 ص: 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت