فهرس الكتاب
يعتقد سامعها صحتها تعصبا للمتحدث فيه، و تنفيرا للناس )) [1] . و قال أيضا إن شيخه على ما فيه من حسنات، فإن تاريخه مشحون بالتعصب المفرط .. .، فلقد أكثر من الوقيعة في أهل الدين، و هم الفقراء-أي الصوفية- الذين هم صفوة الخلق. كما أنه استطال بلسانه على كثير من أئمة الشافعية و الحنفية، و مال فأفرط على الأشاعرة، و مدح فزاد في المجسمة [2] .
و أقول: أولا إن السبكي تحامل على شيخه تحاملا كبيرا، و طعن فيه بلا حق، و أشبع غليله فيه، معتمدا على الظن و التهويل، مدفوعا بتعصب مذهبي ممقوت على شيخه. كما أنه لهم يرع له مكانة كشيخ له، و ناقض نفسه عندما وصفه بأنه كان دينا، ثم هو يتهمه بتعمد ذكر الأخبار المكذوبة عن الأشاعرة إشباعا لهواه و تعصبه. و نحن لا ندعي أن الذهبي لم يكن متعصبا مطلقا، و إنما نقول أن الذهبي كان موضوعيا إلى حد كبير فيما دوّنه من مصنفات و لم يتعمد ذكر الأكاذيب،، و مؤلفاته شاهدة على ما نقول.
و ثانيا إن السُبكي افترى على شيخه عندما زعم أن الذهبي ما كان يذر أشعريا و لا حنفيا، و لا مالكيا و لا شافعيا إلا و طعن فيه. و هذا زعم باطل من أساسه، فإن كتابه سيّر أعلام النبلاء مثلا، فيه مدح و ثناء كثيرين لكثير من هؤلاء، فقد أثنى على أبي الحسن الأشعري، و أبي بكر الباقلاني، و أبي الحجاج الفندلاوي المالكي، و شيخ الحنفية أبي حفص بن مازة، و غير هؤلاء كثير جدا [3] .
و ثالثا إن زعمه بأن الذهبي ذم الصوفية و هم صفوة الخلق، هو زعم باطل، لأن الصوفية ليسوا هم صفوة الخلق و لا هم شر الخلق، بل فيهم الصالح و الطالح، كغيرهم من طوائف الناس. مع العلم أن كثيرا من أعلام الصوفية كان فيهم انحراف كثير، خاصة أصحاب الاتحاد و الحلول، و الذهبي لم يتحامل على كل الصوفية، فإن كتبه التاريخية فيها كثير من المدح لهم، لكنه ذم المنحرفين منهم المُستحقين لذلك [4] .
و رابعا إن السبكي كان متعصبا على شيخه تعصبا زائدا، حتى أنه استخدم المغالطات للحط عليه و الطعن فيه، نذكر منها ثلاثة مغالطات، أولها إنه -أي السُبكي- قال إن الذهبي كان فيه تحامل مفرط على أهل السنة. و هذا يعني أن الذهبي ليس من أهل السنة، و أنه خصم لهم، و هذا افتراء على الرجل، و تدليس على القراء، لأن الذهبي كان سنيا على مذهب السلف و أهل الحديث، لكن السُبكي أوصله تعصبه إلى إخراج هؤلاء من الطائفة السنية، و جعلها مقتصرة على الأشاعرة، و هم الذين عناهم بقوله السابق، و هذا زعم باطل بلا شك، لأن الطائفة السنية في- زمانه و ما بعده -كانت تتكون من طائفتين، الأولى كانت تمثل مذهب السلف، و هم الحنابلة و أهل الحديث، و الثانية كانت تمثل مذهب الخلف، و هم الأشاعرة و الماتريدية [5] .
و المغالطة الثانية هي أن السُبكي أدعى أن الذهبي بالغ في مدح المجسمة. و هذا يعني أن الذهبي كان موافقا للمجسمة، و ساكتا عنهم و مدافعا عنهم، و هذا افتراء على الرجل، فهو -أي الذهبي- قد ذم المجسمة مرارا في مصنفاته [6] ، و أهل السنة كلهم ذموا هؤلاء، لكن السُبكي لم يُفصح علانية مما يريد من قوله، فهو يقصد بالمجسمة الحنابلة و أهل الحديث، و هذا افتراء آحر على هؤلاء، لأن في أهل الحديث أعلام كبار كانوا على مذهب السلف و أصحاب الحديث، و لم يكونوا مجسمة و لا أشاعرة، منهم: مالك بن أنس، و الشافعي، و أحمد بن حنبل، و ابن خزيمة، و البخاري، و مسلم، و أبو نصر السجزي، و أبو عثمان الصابوني، و أبو الحسن الكرجي، و الموفق بن قدامة المقدسي، و ابن تيمية، و ابن قيم الجوزية، و ابن كثير، و غير هؤلاء كثير [7] .
و المغالطة الثالثة هي أنه قال في الذهبي: (( إنه لا ينبغي أن يُسمع كلامه في حنفي و لا شافعي، و لا تُؤخذ تراجمهم من كُتبه، فإنه يتعصب عليهم كثيرا ) ) [8] . و هذا يعني أن الذهبي كان خصما و معاديا للحنفية و الشافعية و المالكية متعصبا عليهم، و هذا افتراء على الرجل، لأن الذهبي هو نفسه كان شافعي الفروع، و كتبه التاريخية مملوءة بمدح و ثناء الحنفية و المالكية و الشافعية. فكان على السُبكي أن يُفصح عن مراده صراحة بلا تدليس و لا مغالطات، فيقول إن الذهبي كان متعصبا على الأشاعرة، و لا يُغالط القراء بأنه كان متعصبا على الحنفية و الشافعية، و حتى زعمه بأنه كان متعصبا على الأشاعرة فليس صحيحا على إطلاقه، فقد أثنى على كثير منهم، و ذكر عنهم ما وصله من أخبار عنهم.
و خامسا إن السُبكي في تحامله على شيخه لم يكن مصيبا عندما قال: إن غالبية علماء الشريعة هم من الأشاعرة [9] . فكلامه هذا هو افتراء على التاريخ، و مغالطة للقراء، لأن علماء أهل السنة من القرن الأول إلى الثالث الهجري كانوا كلهم على مذهب السلف و أهل الحديث في
(1) نفسه، ج 2 ص: 14.
(2) نفس المصدر، ج 2 ص: 22.
(3) أنظر مثلا: السير، ج 15، ص: 85، ج 17 ص: 57، ج 18 ص: 117، ج 2 - ص: 97،210، ج 22 ص: 175، 311.
(4) أنظر مثلا: السير، ج 14، 70، 318، 514، ج 22 ص: 373، 374، 387، ج 23 ص: 19، 73.
(5) للتوسع في ذلك أنظر كتابنا: الأزمة العقيدية بين الأشاعرة و أهل الحديث.
(6) انظر مثلا: السير، ج 1 ص: 305،ج 6 ص: 314.
(7) للتوسع في ذلك أنظر كتابنا السبق ذكره.
(8) طبقات الشافعية الكبرى، ج 7 ص: 16.
(9) طبقات الشافعية الكبرى، ج 2 ص: 13.