فهرس الكتاب
و الشاهد الثاني-على تعصبهم للفلسفة اليونانية- قولهم بقدم العالم مسايرة لأستاذهم آرسطو و المشائين من بعده [1] . و قولهم هذا هو رجم بالغيب، و طن و خيال، و زعم باطل لا دليل عليه من العلم، و لا من العقل، و لا من النقل، و لم يقل به كثير أساطين الفلاسفة قبل آرسطو و بعده [2] . كما أن زعمهم بأزلية الكون يتعارض تماما مع دين الإسلام، و مع ما قرره العلم الحديث، من إن الكون حادث و ليس أزليا، و إن له عمرا تقديريا يقرأه التلاميذ في الإكماليات و الثانويات.
و الشاهد الثالث هو قولهم بأن الله تعالى يعلم الكليات و لا يعلم الجزئيات، بدعوى أن عدم قولهم بذلك يؤدي إلى المحال، و هو تغير علم الله، لأن الجزئيات زمانية تتغيّر بتغير الزمان و الأحوال، و العلم تابع لذلك في الثبات و التغيّر، فيلزم ذلك تغيّر علمه، و علمه قائم بذاته، فيكون محلا للحوادث، و هو محال. و زعمهم هذا رده الحافظ ابن حجر بقوله: إن الله تعالى عالم بما كنا عليه أمس، و بما نحن عليه الآن، و بما سنكون عليه غدا، و ليس هذا خبرا عن تغيّر علمه، بل التغيّر جار على أحوالنا نحن، و هو عالم في جميع الأحوال دون تغيّر [3] .
و أقول: إن كلام هؤلاء دليل على جهلهم بالله تعالى، فهم قاسوه على مخلوقاته و طبقوا عليه ما يجري عليهم من أفعال و أحوال، و هذا باطل بلا شك، فهو تعالى ليس كمثله شيء، في ذاته و صفاته و أفعاله لقوله تعالى: (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير ) )سورة الشورى /11، و (( لم يكن له كفوا أحد ) )- سورة الإخلاص /4 - و علمه خارج عن حدود الزمان و المكان التي يخضع لها كل مخلوق. و علمه تعالى بكل صغيرة و كبيرة، هو من كمال صفاته و ألوهيته. و زعمهم الذي قالوه هو قول على الله بلا علم، و مناقض لعقيدة الإسلام، فقد أخبرنا الله تعالى أنه (( يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور ) )-سورة غافر/19 - ،و (( أنه يعلم الجهر و ما يخفى ) )-سورة الأعلى /7 - ،و (( إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء ) )-سورة آل عمران/ 5 - ،و (( إن تجهر بالقول فإن الله يعلم السر و أخفى ) )-سورة طه/7 - . و هذا الذي زعموه هو من تخيلاتهم و ظنونهم، و طامة من طاماتهم، يستحي الإنسان من أن يحكيه، و يضحك منه الغبي قبل الذكي.
(1) أبو حامد الغزالي: المنقذ من الضلال، ج 27، 28. و ابن تيمية: منهاج السنة، ج 1 ص: 62، 99، 100. و الذهبي: السير، الجزء المفقود، ص: 296.
(2) ابن تيمية: نفس المصدر، ج 1 ص: 99 و ما بعدها.
(3) ابن حجر: فتح البارئ، ج 13 ص: 363.