فهرس الكتاب
و الشاهد الرابع تصوّرهم الباطل لله تعالى، و المخالف للنقل و العقل معا، فهم يعتقدون أن الله تعالى هو الوجود المطلق، لا صفة ثبوتية له، و لا يفعل شيئا باختياره، و لا يعلم شيئا من الموجودات، و لا شيئا من المغيبات، و لا كلام له، و لا صفة تقوم به. و كلامهم هذا -عند ابن القيم - هو كفر بالله، و خيال في أذهانهم لا حقيقة له في الواقع [1] .
و قوله هذا صحيح، فإن تصوّر هؤلاء لله تعالى يختلف تماما عن التصوّر الإسلامي لله، فهو تعالى عالم قادر، مريد جميل، متكلم ودود، خالق مصوّر، حكيم رزاق، رحيم غفور، إلى آخر أسمائه و صفاته الحسنى؛ أما تصوّر هؤلاء لله تعالى، فهو تصوّر ميت يرفضه العقل الفطري العلمي، فهم سلبوا خالقهم صفات الكمال، و وصفوه بصفات النقص، و جعلوا الإنسان أحسن منه، و هذا ضلال ما فوقه ضلال. كما أن الكون البديع يكذّبهم و يبكتهم، فهو شاهد على أن خالقه لابد أن يكون عظيما جليلا، عليما حكيما، قويا مريدا، بديعا جميلا، حائزا على كل صفات الكمال و الجلال.
و أشير هنا إلى أن الفلاسفة المسلمين ليسوا في درجة واحدة في نفيهم للصفات الإلهية، فمنهم من نفاها مطلقا كأبي علي بن سينا و أبي نصر الفارابي، فهما على نهج جهم بن صفوان؛ و منهم من اثبت بعضها، كأبي الوليد بن رشد، و أبي البركات البغدادي (ق:6ه) [2] . و هؤلاء النفاة لصفات الله تعالى هم جُهال به، و متناقضون في موقفهم، فبما أنه لابد لكل موجود من صفات يتصف بها، فهم في الحقيقة لم ينفوا الصفات مطلقا، و إنما نفوا عن الله تعالى صفات الكمال، و وصفوه بصفات الجمادات و المنقوصات و المعدومات؛ و وصفوا أنفسهم بكثير من صفات الكمال التي نفوها عن خالقهم، كالعلم و الحكمة، و السمع و البصر!!.
و بسبب تعصبات الفلاسفة المسلمين، و كثرة انحرافاتهم و ضلالاتهم، ذمهم كثير من علماء الإسلام، و أجمعوا على تكفيرهم، و حذّروا مهم، و ردوا عليهم، منهم: أبو حامد الغزالي، و ابن الجوزي، و أبو عمرو بن الصلاح، و ابن تيمية، و الذهبي، و ابن القيم، و ابن كثير، و السيوطي [3] . كما أنهم تصدوا لهم و قاوموهم عمليا، فضيّقوا عليهم، و نفّروا الناس عنهم، و
(1) إغاثة اللهفان، ج 2 ص: 260.
(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 12 ص: 205، 206.
(3) أنظر: أبو حامد الغزالي: المنقذ من الضلال، ص: 27، 28. و الذهبي: الميزان، ج 5 ص: 173. و السير، ج 17 ص: 35. و ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 2 ص: 92. و ابن الجوزي: صيد الخاطر، ص: 226. و ابن حجر: فتح الباري، ج 12 ص: 202. و ابن العماد الحنبلي: 4 ص: 213. و ج 5 ص: 137.