فهرس الكتاب
قال عنهم ابن خلدون أنهم اتبعوا آرسطو (( حذو النعل بالنعل إلا في القليل ) )،و أشار ابن تيمية إلى أن ابن رشد خالف آرسطو و ابن سينا و لم يقل بقولهما في نفي علم الله تعالى بالجزئيات [1] .
و ذكر صديق خان القنوجي أن ابن سينا جمع في كتابه الشفاء علوم الفلسفة السبعة، لكنه في كتابه الإشارة خالف آرسطو في كثير من المسائل، قال فيها برأيه [2] . لكن انتقادات هؤلاء للفلسفة اليونانية هي انتقادات جزئية لا تُخرجهم عن أصول الفلسفة المشائية، و لا تجعل منهم فلاسفة أحرارا مجددين مبدعين، فلو كانوا كذلك ما انتسبوا إلى تلك الفلسفة، و لأسسوا لأنفسهم مذاهب فلسفية جديدة، و لثاروا على فلسفة اليونان الوهمية البالية، و لرفعوا من شأن دينهم و لا خالفوه فكرا و سلوكا.
و أما بالنسبة لأسباب سلبية هؤلاء و انهزاميتهم تجاه فلسفة اليونان، فهي كثيرة و متداخلة، يبدو لي أن أهمها ثلاثة أسباب، أولها ضعف إيمانهم بدين الإسلام، أوجد فيهم فراغا روحيا و انهزامية نفسية، ملأتهما فلسفة اليونان. و ثانيها ضعف احتكامهم للكتاب و السنة حرمهم من الانتفاع بنورهما و علمهما، و أوقعهم في الاعتماد على عقولهم القاصرة و حواسهم الناقصة، و على ظنونهم و أهوائهم من جهة، و على أوهام فلاسفة اليونان و ضلالاتهم من جهة أخرى.
و ثالثها تقليدهم و تعصبهم لفلاسفة اليونان عامة و لأرسطو و شيعته خاصة، فحرمهم ذلك استقلالية الفكر، و أبعدهم عن النقل الصحيح و العقل الصريح، و أضعف فيهم الشجاعة الأدبية و الروح العلمية النقدية الهدمية المبدعة، و أغرقهم في المتناقضات و الانحرافات الفكرية و السلوكية.
و قد يتساءل بعض الناس فيقول: ألم يكن أهل السنة متعصبين على الفلاسفة عندما قاوموهم؟، و ألم يجنوا على العقل في تصديهم لهؤلاء و فلسفتهم؟.
أولا إن السنيين انتصروا للحق و لم يتعصبوا للباطل، و قاوموا هؤلاء لأنهم كانوا يًمثلون خطرا على دين الإسلام و أمته، بما كانوا متلبسين به من ضلالات فكرية و انحرافات سلوكية. فالسنيون تعصبوا للحق، و هؤلاء تعصبوا للباطل، و الحق أحق أن يُنصر و يُتبع.
(1) درء التعارض، ج 9 ص: 401 - 402.
(2) القنوجي: أبجد العلوم، ج 2 ص: 367.