فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 180

و ثانيا إن مما لاشك فيه أن في الفلسفة اليونانية جانب عقلي صحيح في الطبيعيات و الرياضيات و غيرها، و هذا أمر أقر به علماء أهل السنة [1] ، لكنهم ذكروا أن جانبها الميتافيزيقي قد سيطر عليها و أفسدها و لطخها بشركياته و ضلالاته، فأفسدت هي الأخرى العقل و صرفته عن مجاله الصحيح، و زجّت به في غيبيات وهمية، و ملأته بالخرافات و الضلالات و الشبهات، و أبعدته عن المنطق الاستقرائي التجريبي، و أغرقته في الظنون و التجريدات في ظل المنطق الآرسطي العقيم؛ و بناء على ذلك يتبين لنا أن الفلسفة اليونانية هي التي أفسدت كثيرا من العقول و حمّلتها ما لا تُطيق، و أبعدتها عن مصدر الهداية الربانية خلال العصر الإسلامي.

و ثالثا إن ما قام به أهل السنة، هو ليس حربا على العقل و لا تجنيا عليه ولا طعنا فيه و لا تقزيما له، و إنما هو إنقاذا له من الأهواء و الانحرافات و الضلالات، و انتصارا له و للحقيقة و للدين ضد الأساطير و الظنون و الشبهات و الأهواء، و ذلك أن العقل السليم و الفلسفة الصحيحة هما اللذان يُوصلان الإنسان إلى عبادة ربه و الخضوع له و الالتزام بشريعته، وهذا قمة الفلسفة و العقلانية و الموضوعية العلمية.

(ج) علماء آخرون شديدو التعصب لمذاهبهم:

إتماما لما ذكرناه عن العصب بين العلماء و إثراء له، أذكر هنا جماعة أخرى من أهل العلم كانوا شديدي التعصب لمذاهبهم، أولهم القاضي الحسن بن علي التنوخي البغدادي (ت 372ه) ، كان حنفيا متعصبا شديد التعصب على الإمام الشافعي، و يطلق لسانه فيه [2] . و ثانيهم المتكلم المعتزلي الوزير عميد الملك الكندري (ت456ه) ، كان شديد التعصب على الشافعية، كثير الوقيعة في الشافعي، حتى أنه طلب من السلطان السلجوقي ألب أرسلان أن يسمح له بلعن الرافضة فأذن له، فأضاف إليهم الأشاعرة، و هم شافعية في معظمهم [3] .

و الثالث هو الفقيه الحنفي أبو عبد الله محمد البلاساغوني التركي (ت 506ه) ، كان غاليا في التعصب للمذهب الحنفي، و كثير الوقيعة في المذهب الشافعي، و كان يقول: لو كان لي ولاية لأخذتُ الجزية من الشافعية [4] ، فجعلهم بمرتبة أهل الذمة من اليهود و النصاري و المجوس!!.

(1) أنظر: ابن تيمية: منهاج السنة، ج 1 ص: 357. و درء التعارض، ج 7 ص: 334. و ابن القيم: إغاثة اللهفان، ج 2 ص: 258، 259. و الصواعق المرسلة، ج 2 ص: 404.

(2) ابن الأثير: الكامل، ج 7 ص: 400.

(3) ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج 5 ص: 138. و ابن الجوزي: المنتظم، ج 6 ص: 333. و السبكي: طبقات الشافعية، ج 3 ص: 376.

(4) معجم البلدان، ج 1 ص: 476.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت