وعن أهمية ضرب الأمثال يقول الزمخشرى:"ولضرب العرب الأمثال، واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفى في إبراز خبيات المعانى، ورفع الأستار عن الحقائق حتى تريك المتخيل في صورة المتحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبى، ولأمر ما أكثر الله في كتابه المبين وفى سائر كتبه أمثاله، وفشت في كلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - وكلام الأنبياء والحكماء قال تعالى: وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) (العنكبوت: 43) ، ومن سور الإنجيل سورة الأمثال. والمثل في كلامهم بمعنى: المثل وهو النظير. يقال: مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده: مثل. ولم يضربوا مثلًا ولا رأوه أهلًا للتسيير والتداول والقبول إلا قولًا فيه غرابة من بعض الوجوه، ومن ثم حوفظ عليه وحمى من التغيير" [1] ، والأمثال بما فيها من حكمة وبلاغة وتشبيه وتصوير إنما يقصد منها الاعتبار والاستدلال بالنظير على النظير و في ذلك يقول ابن القيم:"قالوا: قد ضرب الله سبحانه الأمثال وصرفها قدرًا وشرعًا، ويقظة ومنامًا ودل عباده على الاعتبار بذلك، وعبورهم من الشئ إلى نظيره، واستدلالهم بالنظير على النظير، بل هذا أهل عبارة الرؤيا التى هى جزء من أجزاء النبوة، ونوع من أنواع الوحى فإنها مبنية على القياس والتمثيل واعتبار المعقول بالمحسوس" [2]
ثالثًا: عناية النبى - صلى الله عليه وسلم - بالتمثيل والتصوير: استعان النبى - صلى الله عليه وسلم - في قيامه بمهمة التبليغ التى كلفه الله بها بشتى أساليب الإيضاح والتعليم، وفى الذروة من تلك الأساليب يأتى أسلوب"ضرب الأمثال"، وضرب الأمثال في البيان النبوى لم يأتِ لغاية فنية بحتة كغاية الأدباء في تزيين الكلام وتحسينه، وإنما جاء لهدف أسمى، وهو إبراز المعانى في صورة مجسمة لتوضيح الغامض، وتقريب البعيد، وإظهار المعقول في صورة المحسوس، كما أن ضرب الأمثال أسلوب من أساليب التربية يحث النفوس على فعل الخير، ويحضها على البر، ويدفعها إلى الفضيلة، ويمنعها عن المعصية والإثم، وهو في نفس الوقت يربى العقل على التفكير الصحيح، والقياس المنطقى السليم، لأجل ذلك ضرب النبى طائفة من الأمثال في قضايا مختلفة، وفى مواطن متعددة. ولما كان الهدف من ضرب الأمثال هو إدراك المعانى الذهنية المجردة وتقريبها من العقل، وتكوين صورة لهذا المعنى في المخيلة ليكون التأثير بتلك الصورة أشد وأقوى من الأفكار المجردة كثر الاعتماد على هذا الأسلوب في القرآن. قال تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (الزمر: 27) حتى ضربت فيه الأمثال ببعض الأشياء التافهة كما في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ
(1) ينظر الكشاف 1/ 109
(2) ينظر إعلام الموقعين 1/ 72