مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ... (البقرة: 26) والرسول كان يمر بآيات الأمثال المضروبة للناس ويجد أثرها في الرد والتحدى، والترغيب والترهيب، وكان يعرف دور المثل ومكانته عند قومه، فلا غرابة إذًا أن يحظى المثل باهتمامه - صلى الله عليه وسلم - ما دام وسيلة من الوسائل التى تعينه على أداء هذه المهمة.
والمتأمل في الأمثال النبوية يجد التنويع صفة ظاهرة فيها، فقد نوع رسول في الممثل، وضارب المثل نفسه، فتارة يسند ضرب المثل إلى نفسه كما في حديث البخارى الذى مثل فيه لحاله مع الانبياء قبله [1] ، وتارة يسند ضرب المثل إلى الله [2] ، وتارة يسند ضرب المثل للملائكة [3] كما في حديث البخارى في قصة الملائكة الذين جاءوا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو نائم، والشاهد فيه أنهم قالوا:"إن لصاحبكم هذا مثلًا، فاضربوا له مثلًا و فضربوا مثلًا لحاله مع أمته، ونوع كذلك في موضوع المثل والغرض الذى سيق لأجله،"
فضرب المثل في موضوعات متعددة ولأغراض شتى من أمور العقيدة، والعبادة، والأخلاق، والزهد، والعلم، والدعوة، وفضائل الأعمال، والترغيب والترهيب، وغير ذلك. ونوع كذلك في أسلوب العرض وطريقة ضرب المثل، فاتخذ لضربه طرقًا متعددة، وأساليب مختلفة، وسلك في ذلك كل ما من شأنه إيضاح المراد وإبرازه ماثلًا أمام الأعين، فمن ذلك استخدامه للإشارة التى تلفت أنظار السامعين، وتعينهم على الفهم، وفيها يشترك أكثر من حاسة في العملية التعليمية، فالناظر يرى الإشارة ويسمع العبارة، فيكون ذلك أدعى للتذكر كما في البخارى في حديث الإشارة بالإصبع إلى قرب الساعة، ومن ذلك استعانته بالرسم التوضيحى كوسيلة من وسائل التعليم والإيضاح عندما تحدث عن قضية اتباع سبيل الله وصراطه المستقيم، والتحذير من سبل الشيطان الأخرى.
(1) وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"إن مثلى ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال:"فأنا اللبنة، وأنا خاتم المرسلين"والحديث متفق عليه من حديث أبى هريرة. وانظره في المشكاة ح (5745) 10/ 353"
(2) كما في قوله صلى الله عليه وسلم:"ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعن جنبتى الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة ..."الحديث. أخرجه أحمد والترمذى من حديث ابن مسعود. وانظره في المشكاة ح (191) 1/ 383
(3) كما في حديث جابر رضى الله عنه قال: جاءت الملائكة إلى النبى صلى الله عليه وهو نائم، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلًا فاضربوا له مثلًا. قال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا مثله كمثل رجل بنى دارًا، وجعل فيها مأدبة وبعث داعيًا فمن أجاب الداعى دخل الدار ..."الحديث. أخرجه البخارى من حديث جابر. المشكاة ح (144) 1/ 328"