فهرس الكتاب
وقد حرص النبى - صلى الله عليه وسلم - على ضرب المثل في الأحداث والمواقف المتعددة لأهداف تربوية، ففى بعض المواقف كان يكفيه - صلى الله عليه وسلم - أن يرد ردًا مباشرًا لكنه آثر ضرب المثل لما يحمله من توجيه تربوى، وسرعة في إيصال المعنى المراد، وقد لا يؤدى غيره دوره في هذا المقام، فيراه الصحابة مرة نائمًا على حصير وقد أثر في جنبه فيقولون له: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاءً، فيقول:"مالى وللدنيا؟، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها" [1] و حتى المشاهد التى تمر في حياة الناس فلا يلتفتون إليها، ولا يلقون لها بالًا يجد الرسول فيها أداة مناسبة للتوجيه والتعليم، وضرب الأمثال بها، يمر ومعه الصحابة على سخلة منبوذة فيقول لهم:"أترون هذه هانت على أهلها؟ فيقولون: يا رسول الله من هوانها على أهلها ألقوها، فيقول:"فوالذى نفسى بيده للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها" [2] ."
وبعد هذه المقدمة الموجزة حول معنى المثل وتطوره، وأثره في توضيح المعانى، وبيان عناية البيان النبوى بالتمثيل والتصوير أنتقل إلى المعين الصافى، والمنهل العذب المورود لنقف على روائع التمثيل النبوى، ومدى دقة التصوير فيه، والسر في براعته وجماله في كل موضع جاء فيه. ولنأخذ مثلًا لأثر الصلاة في محو الذنوب والخطايا، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا، هل يبقى من درنه شئ؟ قالوا: لا يبقى من درنه شئ. قال:"فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا" [3] "
ما أروع هذا التمثيل، وما أقربه من الواقع، إن النبى - صلى الله عليه وسلم - يتحدث عن أثر الصلاة في محو الذنوب، وأراد أن يوضح ما تتركه الصلاة من أثر في عمل الإنسان، وما ينتج عنها من مغفرة، فأخذ صورة من الواقع، وهى صورة النهر الجارى أمام بيت المرء وهو يغتسل في هذا النهر خمس مرات كل يوم، إن التصوير هنا جاء بماء النهر في عذوبته وجريانه وصفائه، فهو ماء متجدد يغتسل فيه المرء، فإذا اغتسل الإنسان بهذا الماء العذب الصافى المتجدد لا يبقى من أثر الأوساخ في بدنه شئ، ومن هنا ذكر ماء النهر دون غيره نظرًا لعذوبته ونقائه، فالماء المالح إذ اغتسل به الإنسان قد يترك في جسمه آثارًا بسبب ملوحته، أما هذا الماء العذب فكله منافع ولا ضرر فيه بحال من الأحوال، فهو للشرب والاغتسال وسائر وجوه الانتفاع. وكذلك الصلوات الخمس تمحو الخطايا والذنوب، والربط هنا ما بين الصورة الحسية، وهى الاغتسال للطهارة والنظافة، والصورة المعنوية،
(1) أخرجه أحمد والترمذى وابن ماجة من حديث ابن مسعود. وانظره في المشكاة ح (5188) 9/ 351
(2) سبق تخريج حديث صحيح في معناه في الفصل الاول من الباب الثالث عند الحديث عن التصوير التعليمى من طرق الأداء في الحديث النبوى، والحديث المذكور هنا أخرجه أحمد.
(3) متفق عليه من حديث أبى هريرة. وانظره في مشكاة المصابيح ح (565) 2/ 172