فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 215

وهى الطهارة من الذنوب والآثام الحاصلة بالصلاة مما أكسب التمثيل جمالًا وواقعية وبهاءً. والصورة هنا صورة مركبة، فالتمثيل ضرب من ضروب التشبيه، فالتشبيه عام والتمثيل أخص منه، فكل تمثيل تشبيه، وليس كل تشبيه تمثيلًا [1] ، وقد سلك النبى - صلى الله عليه وسلم - سبيل التمثيل هنا لأن التمثيل يكسو المعانى أبهة، ويكسبها منقبة، ويرفع من أقدارها، ويشب من نارها، ويستثير لها من أقاصى الأفئدة صبابة وكلفًا، ومحبة وشغفًا، ولأن للتمثيل من الأثر في توضيح المعقول بالمحسوس ما سبق ذكره.

ومن روائع التصوير والتمثيل: قوله - صلى الله عليه وسلم:"إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به كمثل رجل أتى قومًا فقال: يا قوم إنى رأيت الجيش بعينى، وإنى أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء. فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم. فذلك مثل من أطاعنى فاتبع ما جئت به، ومن عصانى، وكذب ما جئت به من الحق" [2]

فى هذا الحديث صور النبى لذاته وبعثته بصورة من الواقع يضرب بها الناس المثل لشدة الأمر، فالنبى - صلى الله عليه وسلم - بعث في وقت كانت فيه البشرية غارقة في أوحال الكفر والإلحاد، والشرك ضارب بأطنابه في شبه الجزيرة العربية خاصة، وفى أنحاء الأرض عامة، فرسالته من الأهمية بمكان لإنقاذ البشرية من العذاب والهلاك في الدنيا والآخرة، ولشدة الامر، وبيان مكانة رسالته - صلى الله عليه وسلم - ضرب المثل بصورة يعرفها الناس من واقعهم، وهى صورة"النذير العريان". والنذير العريان مثل سائر يضرب لشدة الأمر ودنو المحذور وبراءة المحذر من التهمة [3] وقد أكمل الصورة بقوله:"فالنجاء النجاء"بالمد

(1) ينظر أسرار البلاغة ص 75. والتشبيه التمثيلى: ما كان وجه الشبه فيه وصفًا مركبًا منتزعًا من متعدد أمرين أو أمور بمعنى أن يكون وجهه مركبًا مطلقًا. وهذا مذهب الخطيب والجمهور، فلا فرق عندهم بين الوجه الحقيقى وغيره، وهو عند عبد القاهر: ما كان وجهه غير حقيقى ولو كان مفردًا، وعند الزمخشرى يرادف التشبيه. ينظر الإيضاح 3/ 50, وبغية الإيضاح 3/ 50

(2) متفق عليه من حديث أبى موسى. وانظره في المشكاة ح (148) 1/ 334

(3) وأصله أن الرجل إذا رأى العدو قد هجم على قومه، وأراد أن يفاجئهم، وكان يخشى لحوقهم عند لحوقه تجرد عن ثوبه وجعله على رأس خشبة، وصاح ليأخذوا حذرهم ويستعدوا قبل لحوقهم، وأكثر ما يفعل هذا ربيئة القوم، وهو طليعتهم ورقيبهم. قالوا: وإنما يفعل ذلك لأنه أبين للناظر وأغرب وأشنع منظرًا، فهو أبلغ في استحثاثهم في التأهب للعدو. وقيل: معناه: أنا الذير العريان الذى أدركنى جيش العدو فأخذ ثيابى، فأنا أنذركم عريانًا. ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 15/ 48, وشرح الطيبى على المشكاة 1/ 335

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت