فهرس الكتاب
[1] أى انجوا النجاء أو على الإغراء، ثم بين من خلال هذه اللوحة التصويرية موقف الناس إزاء هذا النذير العريان. هل صدقوه أم كذبوه؟ لقد صدقته طائفة وأطاعته، وساروا في آخر الليل على مهل في سكون وطمأنينة نفس، واستقرار روحى، وسعادة في الآخرة، ونجاة من العذاب، وذلك حيث يقول تعالى: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون) (الأنعام: 82) ، إن تصوير نجاتهم من العدو بسيرهم في هدأة الليل فيما يبدو لى يصور خروج الناس من بيداء الجاهلية وظلامها إلى نور الهدى والرشاد، وهذا السير إنما كان على مهل، وكذلك النبى - صلى الله عليه وسلم - أخرجهم من الضلال إلى الهدى في رفق ولين، ومكث ثلاث عشرة سنة يربى ويعلم، ويوجه ويرشد فما ضاق ذرعًا، أو يئس من هدايتهم!
أما من كذبوا النذير، واستهانوا بتحذيره فقد جاءهم الجيش واجتاحهم في الصباح فأهلكهم، وهنا ملحظ في قوله:"فى الصباح"فالنذير قد جاءهم في اليوم الذى قبل يوم هلاكهم، ثم صبحهم الجيش فما أقصر الوقت بين الإنذار والإهلاك، وكذلك بالنسبة لدعوته - صلى الله عليه وسلم - ما أقربها من الساعة، وما أقصر عمر الإنسان، فإذا كان من أنكر على النذير واستهزأ بتحذيره قد صبحه الجيش وأهلكه بعد ساعات، فكذلك حال من عصى الرسول وكذب بدعوته هلاكه قريب بدنو أجله. ثم بين النبى - صلى الله عليه وسلم - أن هذا مثل من أطاعه وصدق برسالته وبما جاء به واتبعه على الهدى، ومثل من كذب به وعصاه وسلك طريق الضلال والردى. ومن الأسرار البلاغية الأخرى في هذا الحديث غير التمثيل: في قوله:"أنا النذير ..."إلخ أنواع من التأكيد: أحدها: قوله"بعينى"فالرؤية لا تكون إلا بالعين، وفى ذكرالعينين أشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام قد تحقق عنده جميع ما أخبر به تحقق من رأى الشئ بعينيه لا يعتريه وهم، ولا يخالطه شك. ثانيها: قوله:"إنى، وأنا"، وثالثها:"العريان"فإنه دل على بلوغ النهاية في قرب العدو، وفى ذلك تنبيه على أنه الذى يختص في إنذاره بالصدق والذى لا شبهة فيه، وهو الذى يحرص جدًا على خلاص قومه من الهلاك، وقال في القرينة الأولى:"فأطاعنى"، وقابله في الثانية"يكذب"ليؤذن بأن الإطاعة مسبوقة بالتصديق، ويشعر بأن التكذيب مستتبع للعصيان كأنه جمع في كل من الفقرتين بين المعنيين، وإلى المعنيين أشار بقوله:"من أطاعنى"إلخ، وأتبع قوله"اجتاحهم"قوله"أهلكهم"إعلامًا بأنه أهلكهم عن آخرهم فلم يبق منهم أحد" [2] "
(1) والنجاء بالمد: مصدر نجا إذا أسرع. يقال: ناقة ناجية أى مسرعة، ونصبه على المصدر أى انجوا النجاء، أو على الإغراء. وقال القاضى: المعروف في النجاء إذا أفرد المد، وحكى أبو زيد فيه القصر أيضًا، فإذا ما كرروه قالوا: النجاء النجاء ففيه المد والقصر معًا. ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 15/ 49
(2) ينظر شرح الطيبى على المشكاة 1/ 336,335