فهرس الكتاب
ومن روائع التمثيل: قوله - صلى الله عليه وسلم:"مثلى كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها و جعل الفراش وهذه الدواب التى تقع في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقحمون فيها"هذه رواية البخارى، ولمسلم نحوها، وقال في آخرها:"فذلك مثلى ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار: هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبونى تقحمون فيها" [1] وهذا الحديث فيه معنى الحديث السابق، ولكن التصوير والتمثيل فيه مختلف، فالصورة السابقة كانت للنذير العريان مع قومه، ومنهم من أطاعه وصدقه فكتبت له النجاة، ومنهم من عصاه وكذبه فكتب عليه الهلاك، أما هنا فالصورة صورة الرجل الذى استوقد نارًا، أى أوقدها. وعبر هنا بـ"استوقد"لأنه أبلغ، ويقصد بهذه النار التى عبر عنها بالإضاءة وهى فرط الإنارة [2] ما أظهره من حدود الله ببياناته الشافية من الكتاب والسنة، وقد انتشر هذا البيان في مشارق الأرض ومغاربها، وهو ما عبر عنه بالإضاءة التى هى فرط الإنارة، ولكن الناس في جهلهم وضلالهم وغفلتهم وانصرافهم عن هذا النور كهذا الفراش المتهافت على النار مع أن النار فيها هلاكه. فهؤلاء المعرضون عن الحق حولوا هذه النار، وهذا الضوء الذى مثل به لحدود الله وكتابه وسننه حولوه إلى سبب لهلاكهم بدلًا من أن يكون سببًا لنجاتهم، فهذه البيانات من الله ورسوله الهدف منها هدايتهم وإرشادهم، ولكنهم بجهلهم جعلوها سببًا لهلاكهم، ولما كان المستوقد غرضه من فعله انتفاع الخلق به من الاهتداء، والاستدفاء وغير ذلك، والفراش بجهلها جعلته سببًا لهلاكها، كذلك كان القصد بتلك البيانات اهتداء الأمة واحتماءها عما هو سبب هلاكهم، وهم مع ذلك جعلوها موجبة لترديهم. وما أروع الاستعارة في قوله - صلى الله عليه وسلم:"فأنا آخذ بحجزكم"فلقد مثل لحاله في منعه لأمته من الهلاك بحال رجل آخذ بحجزة صاحبه الذى أوشك أن يهوى في قعر بئر مردية"وفهم هذا التشبيه موقوف على معرفة معنى قوله تعالى: تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) (البقرة: 229) ، وذلك أن حدود الله هى محارمه ونواهيه كما ورد في الصحيح"ألا إن حمى الله محارمه"، ورأس المحارم حب الدنيا وزينتها، واستيفاء لذاتها وشهواتها" [3] وما أدق التعبير النبوى في قوله:"جعل الفراش وهذه الدواب"فلقد أراد بذلك تحقير شأنها، وتخصيص ذكر الدواب والفراش لا تسمى دواب في العرف لبيان جهلها كقوله تعالى: إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون) (الأنفال: 22) ، وكل ذلك تعريض لطالب الدنيا المتهالك فيها، والتعبير بـ"الفراش"
(1) متفق عليه من حديث أبى هريرة. مشكاة المصابيح ح (149) 1/ 336
(2) واشتقاقه من الضوء: وهو ما انتشر من الأجسام النيرة. ينظر شرح الطيبى على المشكاة 1/ 336
(3) ينظر شرح الطيبى 10/ 338