فهرس الكتاب
والدواب"يناسبه قوله"تقحمون فيها"لأن التقحم: هو الإقدام والوقوع في الأمور الشاقة من غير تثبت" [1]
ويلاحظ على هذا التمثيل النبوى والذى قبله أنه تمثيل دقيق نابع من البيئة، ويلاحظ أن ألفاظه معبرة أدق تعبير عن الصورة المقصودة، فكل لفظة فيه تناسب المعنى وتخدم المشهد المعروض لنصل من خلالها إلى لوحة تصويرية متناسبة الأجزاء كأننا نشاهدها رأى العين و وهذا التمثيل النبوى فيه نظر إلى القرآن كما سبق.
ومن روائع التمثيل النبوى قوله - صلى الله عليه وسلم:"إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت" [2] وهذا الحديث كسابقه في تلاحم أجزائه، وروعة التصوير فيه، فالنبى - صلى الله عليه وسلم - مثل لحال من يتعاهد القرآن، ويحافظ على تلاوته ويحذر من نسيانه بصاحب الإبل المشدودة بالعقال [3]
وهو الحبل الذى يشد في ركبة البعير، وفى التعبير عن ذلك بـ"الصاحب"مع الإضافة إلى القرآن سر بلاغى؛ لأن المقصود من المصاحبة هنا: المؤالفة [4] ، وهذه المؤالفة إنما تكون بالمداومة على قراءة القرآن، والنظر في المصحف، والعيش في رياض كتاب الله، والعمل به، وهذا هو المقصود من المصاحبة، فليس مجرد التلاوة باللسان عن ظهر قلب، بل المقصود أن هذا التالى الذى أضيف إليه القرآن وثبتت له مصاحبته أن يكون القرآن جليسه وأنيسه، ونظام حياته، كذلك صاحب الإبل المعقلة مداوم على مصاحبة إبله في حضره وسفره،"وخص الإبل بالذكر هنا لأنها من أشد الحيوان الإنسى نفورًا، وفى تحصيلها بعد نفورها صعوبة" [5]
ويبدو لى في تخصيص الإبل بالذكر هنا سر آخر، وهو ما كانت تمثله الإبل من مكانة في حياة العربى، فلقد كان يحمل عليه زاده في سفره، وتحمله، ويصحبها في المراعى حضرًا وسفرًا، فهى جزء من حياته، ولذك فهو يحرص على عقلها خشية ضياعها، وكذلك صاحب
(1) ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 15/ 50
(2) متفق عليه من حديث ابن عمر. وانظره في مشكاة المصلبيح ح (2189) 4/ 329
(3) والمعقلة: بضم الميم وفتح العين، وتشديد القاف: أى المشدودة بالعقال، وهو الحبل الذى يشد في ركبة البعير. ينظر فتح البارى 8/ 709
(4) قال القاضى:"ومعنى صاحب القرآن: أى الذى ألفه. والمصاحبة: المؤالفة، ومنه فلان صاحب فلان، وأصحاب الجنة وأصحاب النار، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأى، وأصحاب الصفة، وأصحاب إبل وغنم، وصاحب كنز, وصاحب عبادة. ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 6/ 77"
(5) ينظر فتح البارى 8/ 710