فهرس الكتاب
القرآن يتعاهده لأنه جزء من حياته، وذلك خشية نسيانه، فإذا كان التعاهد موجودًا فالحفظ موجود، كما أن البعير ما دام مشدودًا بالعقال فهو محفوظ. ومن روائع التمثيل النبوى: قوله - صلى الله عليه وسلم:"مثل الذى يذكر ربه والذى لا يذكر مثل الحى والميت" [1] وما أدق التمثيل هنا حيث شبه الذاكر لله بالحى. والمقصود بالذكر هنا ذكر اللسان بالتسبيح والتحميد والتتهليل وغير ذلك، وذكرالقلب بالاستسلام والتفكر والخضوع، والاستحضار لعظمة الله في النفس، وذكر الجوارح بالانقياد والخشوع فمن كان هذا حاله فهو من الأحياء، أما من لا يذكر الله فهو قلبًا وقالبًا من الأموات معنى وإن كان بين الأحياء صورة. فالحياة الحقيقية إنما هى للذاكرين، وهى حياة روحية ومادية والموت الروحى إنما هو لغير الذاكرين. وحول التمثيل في الحديث يقول الطيبى:"شبه الذاكر بالحى الذى تزين ظاهره بنور الحياة وإشراقها فيه، وبالتصرف التام فيما يريد، وباطنه بنور العلم والفهم والإدراك، كذلك الذاكر مزين ظاهره بنور العمل والطاعة، وباطنه بنور العلم والمعرفة، فقلبه مستقر في حظيرة القدس وسره في مخدع الوصل، وغير الذاكر عاطل باطنه وباطل ظاهره" [2] وهنا وضع الذاكر بين الأحياء لأنه أحيا روحه بذكر الله وطاعته، وما قدمه من عمل يقوده إلى الحياة الدائمة في الآخرة، فلقد فهم حكمة الخالق في الخلق والحياة. أما الثانى فبغفلته وانصرافه عن ذكر الله فكأنه ميت وإن كان يسير بين الأحياء، فلا ذكر له، ولا وجود له،"وفى هذا الحديث ندب إلى ذكر الله تعالى، وأن طول العمر في الطاعة فضيلة، وإن كان الميت ينتقل إلى خير لأن الحى يستلحق به، ويزيد عليه بما يفعله من الطاعات" [3] ، ولقد قيل: إن موقع التشبيه بالحى والميت لما في الحى من النفع لمن يواليه، والضر لمن يعاديه وليس ذلك في الميت" [4] ومن التمثيل النبوى الذى يدعو إلى الإنفاق في سبيل الله: قوله - صلى الله عليه وسلم:"مثل الذى يتصدق عند موته أويعتق كالذى يهدى إذا شبع" [5] والتشبيه هنا موجه إلى طائفة من الناس لم يبذلوا الصدقة في أوانها، وأخروها عن وقتها حرصًا منهم على مصلحتهم، وتقديمًا لأنفسهم على المحتاجين، وهو مسلك معيب لأن الدين أمر بالإيثار، وإنما يحمد الإنفاق إذا كان عن إيثار للمحتاج، وذلك كما في قوله"
(1) أخرجه البخارى من حديث أبى موسى - كتاب الدعوات - باب فضل ذكر الله تعالى - ح (6183) 11/ 212, وأخرجه مسلم في باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد بلفظ:"مثل البيت الذى يذكر الله فيه، والبيت الذى لا يذكر الله فيه مثل الحى والميت"6/ 68
(2) ينظر شرح الطيبى على المشكاة ح (2263) 4/ 390
(3) ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 6/ 68
(4) ينظر فتح البارى 11/ 214
(5) أخرجه أحمد والنسائى والدارمى والترمذى من حديث أبى الدرداء. وقال الترمذى: حسن صحيح. مشكاة المصابيح ح (1871) 4/ 94