فهرس الكتاب
تعالى: ... وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ... ) (الحشر: 9) فهؤلاء بتأخيرهم للصدقة عن أوانها يشبهون من تفرد بالأكل، واستأثر به لنفسه ثم إذا شبع يؤثره على غيره. وما أحسن موقع الفعل"يهدى"فى هذا المقام ودلالته على الاستهزاء بالمهدى.
ومن روائع التمثيل: قوله - صلى الله عليه وسلم:"إن مثلى ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة، وأنا خاتم المرسلين" [1] ، وفى رواية:"مثلى ومثل الانبياء كمثل رجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون: لولا موضع اللبنة" [2] فى هذا الحديث نحن أمام وصف وتصوير يهدف إلى بيان أهمية رسالة النبى - صلى الله عليه وسلم - ومكانتها بين رسالات السابقين من الأنبياء، وبيان أن دعوة الأنبياء واحدة [3] ، ولنا أكثر من وقفة أمام هذا الحديث: الوقفة الأولى: عند قوله:"مثلى ومثل الانبياء من قبلى كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه"لقد جاء التشبيه التمثيلى [4] هنا لبيان مكانة دعوة النبى - صلى الله عليه وسلم - بين دعوات الأنبياء، وبيان القواسم المشتركة بين سائر الأنبياء في رسالاتهم. فالدعوة إلى الله تعالى واحدة في كل مكان وزمان [5] ، والأنبياء إنما بعثوا
(1) أخرجه البخارى من حديث أبى هريرة - باب خاتم النبيين - ح (3413) 6/ 645
(2) أخرجه البخارى من حديث جابر بن عبد الله - باب خاتم النبيين - ح (3412) 6/ 645, وأخرجه مسلم - باب ذكر كونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين. 15/ 50 - 52
(3) مما تجدر الإشارة إليه أن ناصح الدين بن الحنبلى ذكر هذا الحديث ضمن أقيسة النبى صلى الله عليه وسلم في كتابه أقيسة النبى صلى الله عليه وسلم ص 152,122,80
(4) يقول الطيبى:"هذا من التشبيه التمثيلى شبه الأنبياء وما بعثوا به من الهدى والعلم وإرشاد الناس إلى مكارم الأخلاق بقصر شيد بنيانه وأحسن مادته، ولكن ترك منه ما يصلحه وما يسد خلله من اللبنة. فبعث نبينا لسد ذلك الخلل مع مشاركته إياهم في تأسيس القواعد ورفع البنيان. هذاعلى أن يكون الاستثناء منقطعًا، ويجوز أن يكون متصلًا من حيث المعنى إذ حاصل الكلام: تعجبهم المواضع إلا موضع تلك اللبنة، وليس ذلك المصلح إلا ما اختص به من معنى المحبة وحق الحقيقة الذى يعتنى به أهل العرفان. شرح الطيبى على المشكاة 10/ 354,353"
(5) يقول تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) (الأنبياء: 25) ، ويقول: (إن هذه أمتكم امة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) (الانبياء: 92) ، ويقول: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ... ) (الشورى: 13) إلى غير ذلك من الآيات الناطقة بأن دعوة الأنبياء واحدة، وشرائعهم مختلفة تبعًا للزمان والمكان.