فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 215

بتوحيد الله تعالى لهداية الناس وإرشادهم إلى مكارم الأخلاق، وإلى طريق الحق والعدل والخير، وكل نبى يمثل جانبًا من جوانب هذه الدعوة، ولبنة من لبنات هذا البناء العظيم، ويأتى النبى بعد النبى ليكمل ما أسسه من قبله ليتم البناء، وكذلك البيت يقوم على أسس ودعائم وأركان وزوايا مترابطة، وذلك ليثبت على وجه الأرض، وبعد ذلك تأتى مرحلة التزيين والتحسين. وكذلك دعوات الأنبياء ورسالاتهم تقوم على أسس ودعائم من توحيد الله، ونبذ الشرك، وتحريم الظلم، ونشر العدل، والتوجه بالعبادة إلى الحق سبحانه. وتمثل دعوة كل نبى لبنة من اللبنات في ركن من أركان هداية الإنسانية ليكتمل البناء بعد ذلك وتثبت دعائمه في مواجهة أصحاب الانحراف والفساد في الأرض. وبعد تمام البناء بتمام دعوات الأنبياء تأتى مرحلة التزيين والتحسين بالشرائع وما فيها من اليسر، ومراعاة أحوال الناس في كل مكان وزمان، وهذا التحسين والتزيين لابد منه، وإلا كان البناء ناقصًا، وكذلك الشرائع لابد منها وإلا لم تكتمل دعوات الأنبياء. ومن خلال هذا التصوير الدقيق يتضح لنا مدى التناسب والتناغم بين البناء وبين دعوات الأنبياء، فكما أن البيت فيه صلاح الناس في معاشهم واستقرارهم وسكونهم، وحمايتهم من الحر والبرد [1] والأمان من الأذى، والتوارى عن أعين الناس، كذلك دعوات الأنبياء فيها الأمان في الدنيا والصلاح والهدى، وطمأنينة النفس، والأمان من العذاب والهلاك في الدنيا والآخرة. لقد جاء التشبيه ببناء الدار [2] ليبين وحدة الأنبياء والأديان. والعرب من عادتها أن تمثل ما يبالغون فيه من الوثاقة والأصالة وأشباه ذلك بالبنيان. قال الله عزوجل: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ} (الصف: 4) ، وقال تعالى: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} (النازعات: 28،27) [3]

(1) ولقد امتن الله على عباده بهذه النعمة العظيمة فقال تعالى: (والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتًا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين. والله جعل لكم مما خلق ظللًا وجعل لكم من الجبال أكنانًا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون) (النحل: 81,80)

(2) قيل في قوله:"مثلى ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارًا"أن المشبه به واحد، والمشبه جماعة فكيف صح التشبيه؟ وجوابه أنه جعل الأنبياء كرجل واحد لأنه لا يتم ما أراد من التشبيه إلا باعتبار الكل، وكذلك الدار لا تتم إلا باعتبار البنيان. ويحتمل أن يكون من التشبيه التمثيلى، وهو أن يوجد وصف من أوصاف المشبه ويشبه بمثله من أحوال المشبه به فكأنه شبه الأنبياء وما بعثوا به من إرشاد الناس ببيت أسست قواعده ورفع بنيانه، وبقى منه موضع به يتم صلاح ذلك البيت"فتح البارى 6/ 646"

(3) وقال عبدة بن الطيب يذكر قيس بن عامر: فما كان قيس هلكه هلك واحد * ولكنه بنيان قوم تصدعا =

= وقال آخر: أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا * وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا. وأكد النبى صلى الله عليه وسلم هذه الوحدة بقوله:"الأنبياء إخوة من علات أمهاتهم شتى، ودينهم واحد"أخرجه مسلم. فهم ينتسبون إلى أب واحد على الرغم من اختلاف الأمهات مشيرًا بهذا إلى أن الأنبياء على الرغم من اختلاف شرائعهم التطبيقية التى تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة إلههم واحد و كلهم يدعون إلى إفراده بالعبادة، ويحذرون من الشرك، وينبهون إلى أن هناك بعثًا وجنة ونارًا ..."ينظر أمثال الحديث ص 99,98"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت