فهرس الكتاب
إن بناء البيت بحاجة إلى التماسك والتلاحم بين أركانه، وأن توضع كل لبنة في موضعها المناسب من الزوايا والجدران، وكذلك دعوات الأنبياء كل نبى بحاجة إلى دعوة من بعده لتكتمل مسيرة الهداية مع مراعاة الشرائع لظروف المكان والزمان والحال. ونأتى إلى الوقفة الثانية عند التصوير الدقيق في قوله - صلى الله عليه وسلم:"فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة"إن هذه الصورة التى تمثل نظر الناس إلى هذا البيت وطوافهم به، وتعجبهم من حسن بنائه وجمال هيئته، وإدراكهم لنقصان اللبنة في زاوية من زوايا البيت لتمثل - في تصورى - حيرة الناس في الوقت الذى كانت فيه البشرية في مسيس الحاجة إلى دعوة النبى - صلى الله عليه وسلم - لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، إن البناء العظيم بحاجة إلى اللبنة الأخيرة في الزاوية. فليست اللبنة في جدار من الجدران، أو في جانب من الجوانب يمكن أن يعالج محلها، لا، إن اللبنة المطلوبة في زاوية من زوايا البناء، والزوايا مع القواعد تمثل أساس البناء، فدعوته - صلى الله عليه وسلم - أساسية ومتممة لدعوات الأنبياء، فبها سيتم بناء الدين، ويكتمل حسنه وبهاؤه وجماله ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون حيث يقول تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (الصف: 9) ويأتى بعد ذلك تمثيل الرسول لنفسه باللبنة [1] التى ستتم هذا البناء حيث يقول:"فأنا اللبنة، وأنا خاتم المرسلين"فما أعظم تواضعه - صلى الله عليه وسلم -، إن هذه اللبنة إذا لم توضع لكان البناء غير كامل، فالبشرية جمعاء بحاجة إلى رسالته لأنه خاتم المرسلين، ولا نبى بعده، فبرسالته يكون تمام الدين حيث يقول تعالى: { ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا} (المائدة: 3) إن اللبنة المكملة والمتممة للبناء في الزاوية لابد أن توضع في مكانها المناسب لتسد ذلك الموضع مع مراعاة الناحية الهندسية في ذلك، كذلك دعوته - صلى الله عليه وسلم - جاءت في وقتها المناسب ومكانها المناسب لتكمل بناء الدين الذى شيده الأنبياء من لدن نوح عليه السلام وختامًا بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، كما جاءت أمته وسطًا بين الأمم [2] ، وتصوير
(1) اللبنة: بفتح اللام وكسر الموحدة بعدها نون، وبكسر اللام وسكون الموحدة أيضًا: هى القطعة من الطين تعجن وتجبل وتعد للبناء. ويقال لها ما لم تحدق: لبنة فإذا أحرقت فهى آجرة. تحفة الأحوذى 8/ 128
(2) حيث يقول تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا) (البقرة: 143)