فهرس الكتاب
الرسول لنفسه باللبنة لا يقلل من قدره، ولا من منزلة رسالته لأن هذه اللبنة في موضع مكمل ومتمم لركن من الأركان في البناء، ولولاه ما اكتمل البناء، ولظلت البشرية تعانى من الضياع والانحلال [1] ، ولما اكتملت رسالة السماء إلى الأرض لهداية البشرية، فسبحان من قال في شأنه - صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107) ، وقال: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (المائدة: 48) كما أن شريعته - صلى الله عليه وسلم - بالنسبة إليه كاملة، والمراد هنا النظرإلى الأكمل بالنسبة إلى الشريعة المحمدية مع ما مضى من الشرائع الكاملة.
إن التصوير النبوى هنا تصوير جامع موجز بين من خلاله أن رسالة الأنبياء واحدة، وأن رسالته جزء من هذه الرسالات، وأن كل رسالة ترتبط بما قبلها، وأن رسالته خاتمة الرسالات ... ، فلقد اكتمل البناء، وتجلى في ذروة الحسن والبهاء، فلا مجال للإكمال ولا للتزيين بعد رسالة خاتم النبيين، كما اكتملت الشرائع بشريعته التى جاءت باليسر لا بالعسر، واكتملت الأمم بأمته التى جاءت وسطًا بين الامم.
ومن روائع التمثيل: قوله - صلى الله عليه وسلم:"ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما شئت من شئ بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" [2] فى هذا الحديث نحن أمام لوحة تصويرية من أروع ما يكون لحال هؤلاء المولعين بذكر الله وحمده والثناء عليه، وهم في أشرف مقامات العبودية
(1) زعم ابن العربى أن اللبنة المشار إليها كانت في أس الدار، وأنها لولا وضعها لانقضت تلك الدار. وقال: بهذا يتم المراد من التشبيه المذكور أهـ. قال ابن حجر: وهذا وإن كان منقولًا فهو حسن، وإلا فليس بلازم، نعم ظاهر السياق أن تكون اللبنة في مكان يظهر عدم الكمال في الدار بفقدها، وقد وقع عند مسلم"إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها"فيظهر أنها مكملة محسنة، وإلا لاستلزم أن يكون الأمر بدونها كان ناقصًا، وليس كذلك، فإن شريعة كل نبى بالنسبة إليه كاملة، فالمراد هنا النظر إلى الأكمل بالنسبة إلى الشريعة المحمدية مع ما مضى من الشرائع الكاملة. فتح البارى 6/ 646
(2) أخرجه مسلم من حديث أبى سعيد - باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع - وأخرجه من حديث ابن عباس بلفظ"أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع لرأسه من الركوع قال:"اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض وملء ما بينهما ,وملء ما شئت من شئ بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد"4/ 195,194"