فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 215

لله تعالى في الصلاة .... ومن روائع التصوير هنا: قوله"ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما شئت من شئ بعد" [1]

وسر الجمال في التمثيل [2] للحمد بـ"ملء السماوات والأرض وما بينهما، وملء ما شاء الله من شئ بعد"، وفى تخصيص الحمد بذلك دون غيره من التسبيح والتكبير والتهليل. فأما عن وصف مقدار الحمد بأنه ملء السماوات والأرض، وملء ما شاء الله من شئ بعد، فما أروعها من صورة، فالحمد ليس جسمًا من الأجسام حتى يملأ الأماكن، وأى أماكن؟! إنها السماوات والأرض، وما بينهما، وما شاء الله من شئ بعد. فالمقصود تكثير هذا الحمد والمبالغة فيه، والولوع به [3] ، والثناء على الله بكل ما يعلمه العبد وما لا يعلمه، وهذا التصوير لمقدار الحمد إنما يرجع إلى مقدار ما لله من نعم عند عباده ...

فالمتأمل في نعم الله عزوجل يرى أنها تملأ حياة العبد، ففى كل حركة وسكنة ما لا يخفى من النعم، ففى نفس الإنسان ملايين النعم، فإذا جئنا لما حوله وما يحيط به من نعم في الأهل والمال، والسكن، والزرع، والماء والهواء لما أحصيناها عددًا [4] ، فهى تملأ المكان والزمان ولذلك جاء

(1) وفى رواية ابن عباس السابقة"اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وما بينهما، وملء ما شئت من شئ بعد"الحديث، فليتأمل الفرق بين الروايتين.

(2) قال صاحب النهاية:"هذا تمثيل لأن الكلام لا يسع الأماكن والمراد به كثرة العدد، يقول: لو قدرأن تكون كلمات الحمد أجسامًا لبلغت من كثرتها أن تملأ السماوات والأرض، ويجوز أن يكون المراد به تفخيم شأن كلمة الحمد، ويجوز أن يكون المراد به أجرها وثوابها، ويقول الطيبى: هذا تمثيل والكلام لا يقدر بالمكاييل ولا يسعه الأوعية، وإنما المراد منه تكثير العدد حتى لو يقدر أن تكون تلك الكلمات أجسامًا تملأ الأماكن لبلغت من كثرتها ما يملأ السماوات والأرضين."

(3) يقول الصنعانى:"قد جعل الحمد كالأجسام، وجعله سادًا لما ذكره من الظروف مبالغة في كثرة الحمد، وزاده مبالغة بذكر ما يشاءه تعالى مما لا يعلمه العبد"سبل السلام 1/ 515 - ط دار العاصمة - الرياض - (1422) هـ.

(4) ولقد جاء ذكر كثير من هذه النعم في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى: (الله الذى خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم وسخر لكم الفلك لتجرى في البحر بأمره وسخرلكم الأنهار* وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار * وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها إن الإنسان لظلوم كفار) (إبراهيم: 22 - 34)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت