فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 215

التمثيل بـ"حمد يملأ السماوات والأرض وما شاء الله من شئ بعد" [1] ليتوافق الحمد مع هذه النعم، فكما أن النعم تملأ المكان والزمان فليكن الحمد ملء المكان

والزمان، وأنى للعبد أن يصل إلى شكر نعم ربه عليه، ففى هذا التمثيل إشارة إلى الاعتراف بالعجز عن أداء حق الحمد بعد استفراغ الجهد [2] ، فإنه حمده ملء السماوات والأرض، وهذه نهاية أقدام السابقين، ثم ارتفع فأحال إلى المشيئة، وليس وراء ذلك الحمد منتهى، فإن حمد الله أعز من أن يعتوره الحسبان، أو يكتنفه الزمان والمكان [3]

ولنا وقفة عند تخصيص الحمد بكونه ملء السماوات والأرض دون التسبيح، والتكبير والتهليل. فالتحميد إثبات المحامد كلها لله، فدخل في ذلك إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال كلها. والتسبيح: هو تنزيه الله عن النقائص والعيوب والآفات. والإثبات أكمل من السلب [4] ، ولقد جاء ذكر الثناء والمجد في الحديث بعد ذكر الحمد. والثناء: هو الوصف الجميل والمدح.

(1) وما شاء الله من شئ بعد: أى بعد المذكور، وذلك كالكرسى والعرش، وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله، والمراد تكثير الحمد. تحفة الأحوذى 2/ 114

(2) ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده:"اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصى ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك"أخرجه مسلم من حديث عائشة - باب ما يقال في الركوع والسجود - 4/ 203. وقوله:"لا أحصى ثناءً عليك ..."إلخ اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، وأنه لا يقدر على بلوغ حقيقته ... ، فوكل ذلك إلى الله سبحانه المحيط بكل شئ جملة وتفصيلًا ... ، وكل ثناء أثنى به عليه وإن كثر وطال وبولغ فيه فقدر الله أعظم، وسلطانه أعز، وصفاته أكبروأكثر، وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ"صحيح مسلم بشرح النووى 4/ 204"

(3) ولم ينته أحد من خلق الله مبلغه ومنتهاه صلى الله عليه، وبهذه الرتبة استحق أن يسمى بأحمد. والفرق بين محمد وأحمد من وجهين: أحدهما: أن محمدًا هو المحمود حمدًا بعد حمد، فهو دال على كثرة حمد الحامدين له، وذلك يستلزم كثرة موجبات الحمد فيه. وأحمد أفعل تفضيل من الحمد يدل على أن الحمد الذى يستحقه أفضل مما يستحقه غيره. فـ"محمد"زيادة حمد في الكمية، وأحمد زيادة حمد في الكيفية، فيحمد أكثر حمد وأفضل حمد حمده البشر. الوجه الثانى: أن محمدًا هو المحمود حمدًا متكررًا كما تقدم. وأحمد هوالذى حمده لربه أفضل من حمد الحامدين غيره. فدل أحد الاسمين وهو محمد على كونه محمودًا، ودل الاسم الثانى وهو أحمد على كونه أحمد الحامدين لربه. جلاء الأفهام ص 104 - ط دار الطباعة المحمدية.

(4) ولهذا لم يرد التسبيح مجردًا بل مقرونًا بما يدل على إثبات الكمال، فتارة يقرن بالحمد كقوله: سبحان الله وبحمده، وتارة باسم من الأسماء الدالة على العظمة والجلال كقولك: سبحان الله العظيم. وقد أختلف أى الكلمتين أفضل؟ كلمة الحمد أم كلمة التهليل؟ وقد حكى هذا الاختلاف ابن عبد البر وغيره. وقال النخعى: كانوا يرون أن الحمد أكثر تضعيفًا. وقال الثورى: ليس يضاعف من الكلام مثل الحمد. والحمد يتضمن إثبات جميع أنواع الكمال لله فيدخل فيه التوحيد. جامع العلوم والحكم ص 262 - 264

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت