فهرس الكتاب
والمجد: العظمة ونهاية الشرف كما ذكر النووى [1] ، ولقد جاء البيان النبوى هنا بلفظة جامعة لكل معانى الثناء والوصف الجميل لله تعالى لتناسب ملء السماوات والأرض، لذلك قال بعد هذا الوصف الجامع:"أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد [2] فهذا الحمد أحق ما يقوله الإنسان لأن في الحمد إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال كلها. وهذا الحمد الذى يملأ السماوات والأرض، وما بينهما وما شاء الله من شئ بعد لا يكون إلا ممن اجتمعت فيه صفات العبودية لله؛ ولذلك قال"أحق ما قال العبد" [3] ، فحمد العابد الخالص ليس كحمد غيره؛ لأن حمده حمد قلب ولسان، وحمد عبادة وعرفان، وخضوع وذل للرحمان، إنه حمد من يقدر نعم الله حق قدرها، ويعرف حق موجدها؛ ولهذا جاء الوصف بالعبودية لأنها أشرف منازل العبد بين يدى الله [4] فكلما كان العبد أكثر عبادة لله كلما كان أرفع منزلة عند الله، وكلما كان أكثرعبادة كلما كان أكثر حمدًا لله. ولهذا جاءت تسمية النبى صلى الله علي وسلم بـ"أحمد"لأنه اكتملت فيه صفات العبودية لله كما وصفه القرآن، وأضافه الله إلى نفسه في أكثر من موضع تشريفًا وتكريمًا لأنه وصل إلى أن يكون أحمد الحامدين لربه، واستحق أن يحمد أفضل مما يستحقه غيره! [5] وبعد هذه الرحلة القصيرة في رياض التمثيل النبوى أنتقل إلى ذكر بعض أحاديث التمثيل الأخرى"
(1) ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 6/ 196,195
(2) ويكون التقدير: المذكور من الحمد الكثير أحق ما قال العبد.
(3) التعريف في العبد للجنس، وقيل للعهد، والمراد رسول الله صلى الله عليه وسالم، و"ما"فى قوله:"ما قال العبد"موصوفة: أى أحق الأشياء التى يتكلمها العبد إن فصلتها واحدًا بعد واحد ثناء الله تعالى من العبد المطيع الخاشع الخاضع. شرح الطيبى على المشكاة 2/ 397,396
(4) فالعبودية الخالصة لله هى - في واقع الأمر - عين الحرية، وسبيل السيادة الحقيقية، فهى وحدها التى تعتق القلب من رق المخلوقين، وتحرره من الذل والخضوع لكل ما سوى الله تعالى من الآلهة والطواغيت التى تستعبد الناس وتسترقهم أشد الاسترقاق والاستعباد وإن ظهروا - صورة وشكلًا - بمظهر السادة الأحرار, وللتوسع في هذا المعنى ينظر العبادة في الإسلام ص 102 - 104 أ. د. يوسف القرضاوى - ط مؤسسة الرسالة - ط الثامنة عشرة - (1406) هـ (1986) م.
(5) ومن مقامات وصف النبى بالعبودية مع الإضافة إلى الله تعالى: قوله تعالى: ( ... وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير) (الأنفال: 41) ، وقوله تعالى: (سبحان الذى أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله ... ) (الإسراء: 1) ، وقوله تعالى: (تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا) (الفرقان: 1) ، وقوله تعالى: (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا) (الجن: 19)