فهرس الكتاب
ويجسدها لما لها من مكانة في الدين، وأثر في حياة الناس، فعبر عن هذه الصلة باستعارة رائعة في قوله:"ولكن لهم رحم أبلها ببلالها" [1] ، وسر الجمال هنا في ذكر البلال لصلة الرحم. فالبلال بمعنى البلل وهو النداوة، والنداوة من شأنها تجميع ما يحصل فيها وتأليفه بخلاف اليبس والقطيعة فمن شأنه التفريق، فنحن إذا نظرنا إلى الأرض في حال يبسها وجفافها وجدبها ... نرى ظهور الشقوق والتصدع من شدة الجدب وقلة الماء. وهذه الصورة التى تكون عليها الأرض في هذه الحال تشبهها الرحم في حال القطيعة حيث يتباعد الناس عن بعضهم، وتتقطع أواصر القربى ووشائج الرحم بينهم، مع انتشار الفتور في العلاقات، وظهور العداوات. ولكن حين تبل الأرض بالماء حق بلالها تتصل الشقوق، وتتلاحم الأجزاء، ويجرى الماء على وجه الأرض بلمعانه فيغير صورتها من اليبس، والجفاف، والجدب إلى الرطوبة، والخضار، والنضار. والرحم في حال الصلة تشبه الأرض في هذه الصورة الرائعة حيث ينتشر الحب، وتشيع المودة والصلة، وتثمر هذه الصلة التعاون، والبر، والرحمة [2] ، وكما يقول القاضى ناصرالدين:"يقال للوصل: بلل يقتضى الالتصاق والاتصال، والهجر يبس يفضى إلى التفتت والانفصال" [3] ، وهنا سر بلاغى في قوله"بلالها"ففيها مبالغة، والمعنى: أبلها بما عرف واشتهر عند الله وعند الناس ما هو فلا أترك من ذلك شيئًا [4] فليس المقصود مجرد الصلة العادية كما يوحى بذلك معنى لفظة"البلل"، ولكن المقصود القيام بحقها كما يجب؛ ولذلك قال:"أبلها ببلالها".
أى أنديها بما يجب أن تندى [5] والتصوير هنا يمكن أن يحمل على وجه آخر بأن تشبه قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها بإطفاء الحرارة ببرودة الماء. ويبدو لى في هذا التصوير أكثر من خصيصة
(1) قال ابن التين: هو بالفتح للأكثر، ولبعضهم بالكسر. وقال ابن حجر: قلت: بالكسر أوجه فإنه من البلال جمع بلل مثل: جمل وجمال، ومن قاله بالفتح بناه على الكسر مثل قطام وحذام. فتح البارى 10/ 436
(2) يقول الطيبى:"شبه الرحم بأرض إذا بلت بالماء حق بلالها أثمرت، ويرى في ثمرتها أثر النضارة. وإذا تركت يبست وأجدبت فلم تثمر إلا القطيعة والعداوة, هذا هو الوجه. وعلى هذا قول أهل اللغة: سنة جماد لا مطر فيها، وناقة جماد لا لبن فيها. ولا تجعل السنة و الناقة جمادًا إلا على معنى أن السنة بخيلة بالمطر، والناقة بخيلة باللبن". شرح الطيبى 9/ 175,174
(3) ينظر شرح الطيبى على المشكاة 9/ 174
(4) ويستأنس لذلك بقوله تعالى: (إذا زلزلت الأرض زلزالها) (الزلزلة: 1) أى زلزالها الذى يستوجبه في مشيئة الله سبحانه وتعالى، وهوالزلزال الشديد الذى ليس بعده. الكشاف 4/ 790
(5) قال الخطابى وغيره: بللت الرحم بلًا وبللًا وبلالًا: أى نديتها بالصلة. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"بلوا أرحامكم"أى صلوها وندوها. والعرب تقول للقطيعة اليبس. قال الشاعر:
فلا توبسوا بينى وبينكم الثرى * فإن الذى بينى وبينكم مثرى
شبه قطيعة الرحم بالحرارة تطفأ بالماء، وتندى بالصلة. وقال الشريف الرضى: وهذه استعارة لأن المراد صلوا أرحامكم ولو بالسلام: أى جددوا المودة بينكم وبين أقربئكم ولو بالتسليم عليهم تشبيهًا ببل السقاء اليابس لأنه لا يتبلل إلا بملء الماء فينتدى قاحله (يابسه) ويتمدد قالصه (المنقبض) فشبهوا بل الأرحام بذلك لأن في حسن المخالقة تجديد لمخلقها، وإحكامًا لما وهى من علائقها، ومثل ذلك: قول الكميت الأسدى:
نضحت أديم الود بينى وبينكم * آصرة الأرحام لو يتبلل
ينظر المجازات النبوية للشريف الرضى ص 81,80