فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 215

وهذا الحديث يكمله حديث آخر، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم:"ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا" [1] ، وهذا الذوق الإيمانى إنما يشعر به من اختمرت عقيدة الإيمان في قلبه، فالذوق هو وجود الطعم في الفم [2] ، وأصله فيما يقل تناوله فإذا كثر يقال له الأكل [3] ، وكذلك هذا الشعور الإيمانى لا يحس بلذته، ولا يتذوق حلاوته إلا من رضى بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا ورسولًا.

إن هذين الحديثين من البيان النبوى الذى يمثل الأمور العقلية والمعنوية في صورة حسية تقلب السمع بصرًا، والمعقول محسوسًا، والمتخيل حقيقة، واستعمال الحلاوة والذوق من الأمور الحسية هنا إنما هو ترغيب ودعوة إلى التحلى بهذه الخصال، وبيان أن اللذات في الدنيا لا تنحصر في اللذات الحسية المادية، بل هناك من اللذات المعنوية ما يفوقها في الأثر وذلك لأنه يفضى بصاحبه إلى النعيم السرمدى، أما لذات الدنيا فإلى زوال وفناء. وصدق من قال من العارفين:"إن لفى نعمة لو يعلمها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف" [4]

ومن روائع الاستعارات في البيان النبوى: قوله - صلى الله عليه وسلم:

"إن آل أبى فلان ليسوا لى بأولياء، إنما وليى الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها"

ببلالها" [5] جاء التصوير في هذا الحديث لصلة الأرحام، وما أعظم صلة الأرحام لما لها من أثر في تأليف القلوب، ونشر الود والحب بين الناس. وقد أراد النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يصور هذه الصلة"

(1) أخرجه مسلم من حديث العباس بن عبد المطلب - باب ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربًا - 2/ 2

(2) ينظر المفردات ص 187

(3) "أخبر النبى صلى الله عليه أن للإيمان طعمًا، وأن القلب يذوقه كما يذوق الفم طعم الطعام والشراب، وقد عبر عن إدراك حقيقة الإيمان والإحسان، وحصوله في القلب ومباشرته له بالذوق تارة وبالطعام والشراب تارة، وبوجدان الحلاوة تارة كما في هذا الحديث والحديث الذى سبقه"ينظر مدارج السالكين 3/ 68 لابن القيم، وبصائر ذوى التمييز 3/ 24. ومما تجدر الإشارة إليه أن الذوق قد استعمل في القرآن تارة بمعنى الإصابة بالرحمة كقوله تعالى: (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ... ) (هود: 9) ، وتارة بمعنى الإصابة بالعذاب كقوله تعالى: ( ... ليذوقوا العذاب ... ) (النساء: 566) ، وهنا استعارة أيضًا لأن حقيقة الذوق ما أدرك بحاسة. تلخيص البيان ص 126, والمفردات ص 188,187, وشرح الطيبى 1/ 119,118

(4) والذوق عند العارفين منزلة من منازل السالكين أثبت وأرسخ من منزلة الوجد. ينظر بصائر ذوى التمييز 3/ 24

(5) أخرجه البخارى من حديث عمرو بن العاص - كتاب الأدب - باب يبل الرحم ببلالها - ح (5776) 10/ 433,432, وأخرجه مسلم من حديث أبى هريرة - باب قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (الشعراء: 214) 13/ 80,79

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت